في سياق متجدد يشهده قطاع التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار بالمغرب، أطلق وزير القطاع، عز الدين ميداوي، تحذيرات قوية بخصوص الوضع الراهن للولوج المفتوح بالجامعات المغربية. فقد وصف الوزير النظرة الحالية لهذا النظام بـ ‘الخاطئة تمامًا’، مؤكداً على ضرورة ملحة لـ إصلاح الولوج المفتوح بالجامعة المغربية لمعالجة الاختلالات الكبيرة التي تعيق جودتها وتنافسيتها.
هذا التصريح جاء خلال مناقشة تفصيلية لمشروع قانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي أمام لجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب، حيث لم يخفِ الوزير قلقه من التحديات الهيكلية التي يواجهها النظام الحالي، مشدداً على أن العمل جارٍ، بالتعاون مع الشركاء، لوضع ورش إصلاحي شامل ومراجعة جذرية لهذه الآلية التعليمية المحورية.
تحديات نظام الولوج المفتوح بالجامعة المغربية الراهن: قلق متزايد
لقد بات من الواضح أن نظام الولوج المفتوح في صيغته الحالية يواجه تحديات جمة. أبرز هذه التحديات، وفقاً للوزير، هو التباين المقلق بين أداء القطاعين العام والخاص في استقطاب الطلبة. ففي الوقت الذي سجل فيه القطاع الخاص ارتفاعاً ملحوظاً في عدد طلابه هذا العام، بنسبة تتراوح بين 12.5% و 13%، تشهد الجامعات العمومية تراجعاً مقابلاً. هذا الأمر، بحسب ميداوي، ‘مقلق للغاية’ ويفرض ضرورة ملحة لتأهيل الجامعة العمومية حتى تتمكن من استعادة دورها الريادي ومكانتها كمحرك أساسي للمعرفة والتنمية.
تتمثل بعض أبرز الاختلالات التي أشار إليها الوزير في:
- تراجع جودة التعليم: نتيجة للضغط الكبير على الموارد البشرية والمادية في الجامعات العمومية بسبب الأعداد الكبيرة.
- عدم التوازن في توزيع التخصصات: حيث يتركز الإقبال على بعض التخصصات دون غيرها، مما يؤدي إلى فجوات في سوق الشغل.
- ضعف التنافسية: مقارنة بالجامعات الدولية والخاصة التي تقدم نماذج تعليمية أكثر مرونة وتخصصية.
رؤية الوزارة لإصلاح شامل ومستدام
لم يقتصر حديث الوزير على رصد المشكلات، بل قدم رؤية واضحة لإطلاق ورش إصلاحي طموح يهدف إلى إصلاح الولوج المفتوح بالجامعة المغربية تدريجياً. هذا الإصلاح لا يهدف فقط إلى رفع جودة التعليم، بل يشمل كذلك تقوية نظام الولوج المحدود المجاني، مما يعكس رغبة في تحقيق التوازن بين توفير فرص التعليم للجميع وضمان جودته. وأكد ميداوي أن هذا المسعى سيتم بالعمل الوثيق مع الشركاء الفاعلين في المنظومة التعليمية، من أساتذة، طلبة، وإداريين، وكذلك ممثلي المجتمع المدني.
مقارنات دولية ودور القطاع الخاص في التعليم العالي
في معرض حديثه، استعرض الوزير نماذج دولية لفهم موقع القطاع الخاص في منظومة التعليم العالي. أشار إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية، التي تُعد أكبر منتج للمعرفة عالمياً، تعتمد بشكل كبير على الجامعات الخاصة. في المقابل، تتبنى بريطانيا نموذجاً يغلب عليه الطابع العمومي، إلا أن الرسوم الدراسية هناك مرتفعة جداً (حوالي 130 ألف درهم)، تتكفل الدولة بضمانها عبر قروض وآليات دعم متنوعة. هذه المقارنات تُسلط الضوء على تنوع الخيارات المتاحة لتمويل وتسيير الجامعات.
أكد الوزير أن القانون الإطار المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي هو الذي نص بوضوح على دور القطاع الخاص، مشدداً على أن هذا النص المرجعي خضع لنقاش وطني واسع وأصبح اليوم ملزماً للجميع. وأوضح أنه لا يمكن التراجع عن هذا الدور أو حذفه، بل يجب ضبطه وتأطيره لضمان عدم تحوله إلى مجال للربح السريع. وفي هذا الإطار، تم إزالة تراخيص معينة لضمان الوضوح، مع التأكيد على أن الاستثمار في هذا القطاع يتطلب احترام شروط صارمة وضوابط دقيقة.
وبخصوص توفير القطاع الخاص لتخصصات الولوج المفتوح، أشار الوزير إلى وجود تكوينات في القانون والعلاقات الدولية والعلوم الإنسانية والآداب بالجامعات الخاصة، لكنها تبقى محدودة بقدرة الأسر على الأداء، مما يبرز أهمية استمرار وتطوير التعليم العمومي المجاني.
آليات الضبط والحوكمة الجديدة لضمان الجودة
لضمان نجاح عملية إصلاح الولوج المفتوح بالجامعة المغربية، دافع الوزير عن آليات جديدة للحوكمة والضبط. من بينها:
- مجلس الأمناء: آلية مستقلة تُعنى بتقييم العمل الأساسي للمؤسسات الجامعية واستراتيجياتها، مؤكداً أنه غير تابع للوزارة. هذا المجلس يهدف إلى تعزيز الشفافية والفعالية في إدارة الجامعات.
- آليات التعاقد: التي وصفها بأنها تحتاج إلى المزيد من الإرساء، مشيراً إلى توقيع أول عقود تطوير الجامعات العمومية للفترة 2025-2027 بمدينة العيون، اعتماداً على مؤشرات أداء واضحة.
- المخطط المديري: الذي جاء به القانون الإطار، وتعهد الوزير بأن يكون موضوع نقاش وإشراك لجميع المعنيين بالشأن الجامعي، كونه سياسة عمومية. وأكد أن صياغته قد انتهت وسيخضع للتشاور مع الشركاء، ليكون المرتكز الأساسي حين يرى مشروع قانون 59.24 النور.
إن المضي قدماً في إصلاح الولوج المفتوح بالجامعة المغربية ليس مجرد خيار، بل هو ضرورة حتمية لضمان مستقبل مشرق للتعليم العالي في المغرب. يتطلب هذا الإصلاح إرادة سياسية قوية، تضافر جهود جميع الفاعلين، وتخطيطاً محكماً يراعي الخصوصيات الوطنية ويستلهم من التجارب الدولية الناجحة. إن الهدف الأسمى يظل توفير تعليم عالي الجودة ومتاح للجميع، بما يخدم التنمية الشاملة للمملكة.
لمتابعة آخر المستجدات حول قضايا التعليم العالي وغيرها، يمكنكم زيارة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك