في خضم المشهد السياسي المغربي المتغير، برز حزب التجمع الوطني للأحرار كقوة فاعلة، لا سيما بعد إتمامه لجولته التواصلية الطموحة “مسار الإنجازات”، والتي اختتمت فعالياتها في طنجة. هذه الجولة لم تكن مجرد سلسلة لقاءات تنظيمية، بل كانت رسالة سياسية عميقة ربطت بين أقصى شمال المملكة وجنوبها، مؤكدة على هوية حزب يتجاوز الحسابات الانتخابية الضيقة نحو آفاق الفكر التنموي المستدام. لقد شكل نجاح جولات الأحرار التواصلية وأثرها السياسي محوراً مهماً للتحليل والمتابعة، مما أثار ردود فعل متباينة في الساحة السياسية.
استراتيجية تواصلية مبتكرة: كسر حواجز الشعبوية
لقد دشن حزب التجمع الوطني للأحرار نموذجاً تواصلياً فريداً، بدأ بسلسلة “100 يوم 100 مدينة” وتوج بـ”مسار الإنجازات”. هذا النموذج كرس قطيعة واضحة مع الأساليب الشعبوية التقليدية، مستبدلاً إياها بـ”عقلانية ميدانية” تضع القرب من المواطن كشعار وغاية. صرح راشيد الطالبي العلمي، منسق الحزب بجهة طنجة تطوان الحسيمة، بأن هذا التوجه يهدف إلى الإنصات المباشر لانشغالات المواطنين بعيداً عن صخب المركز، وهو ما عكسه الحشد الجماهيري الذي فاق الثلاثة آلاف مشارك في المحطة الختامية بطنجة. هذا النهج يؤكد على التزام الحزب بـالديمقراطية التشاركية ويجسد تواجده الفعلي في صلب المجتمع.
“الميلاد الثاني” والتحديث المؤسسي للحزب
استحضر الطالبي العلمي رمزية الـ46 عاماً من تاريخ تأسيس الحزب، مشيراً إلى أن التجمع الوطني للأحرار ولد من رحم الدينامية الوطنية التي أعقبت المسيرة الخضراء. إلا أنه توقف مطولاً عند ما وصفه بـ“الميلاد الثاني” للحزب تحت قيادة عزيز أخنوش. هذا التحول النوعي تميز بإعادة تنظيم شاملة وعصرنة لأدوات الاشتغال، مما أثمر إنشاء أكثر من 19 تنظيماً موازياً. هذه التنظيمات لا تهدف فقط إلى التسابق الانتخابي، بل تسعى إلى بلورة تصورات لسياسات عمومية تنتج مشاريع تنموية ملموسة، وهو ما يعكس رؤية الحزب في أن يكون فاعلاً في صياغة المستقبل وليس مجرد متفرج.
ردود الفعل السياسية: نجاح يثير الحفيظة ويعزز المكانة
لم يغفل الطالبي العلمي الإشارة إلى أن هذا النموذج التواصلي المبتكر قد بات يثير “حَنق البعض”، معتبراً أن هذا الحنق ليس سوى “رد فعل مرتبك من جانب منافسين سياسيين لم يستسيغوا قدرة الحزب على الانتقال المباشر إلى المواطن البسيط”. نجاح جولات الأحرار التواصلية بهذا الشكل يعتبر مقياساً حقيقياً لفعالية أسلوب الحزب، الذي يرى أنه لا يفعل سوى أداء مهامه الدستورية في تأطير المواطنين وتعزيز انخراطهم في الشأن العام، متوافقاً مع مضامين الخطاب الملكي أمام البرلمان. هذه الردود المتشنجة تؤكد على مدى تأثير دينامية الأحرار في الساحة السياسية.
التجمع الوطني للأحرار: حزب بناء لا مساومة
في رسالة واضحة للمشهد السياسي، أكد منسق الحزب بجهة الشمال أن التجمع الوطني للأحرار هو “حزب البناء وتقدير النداء الوطني، لا حزب الابتزاز والمساومة”. وذكر بأن الحزب، سواء كان في الأغلبية أو المعارضة، ظل دوماً مصدر طمأنينة وتوازنات في المنظومة الوطنية، دون أن يرهن خدمة الوطن والملك بتموقع حكومي أو امتياز سياسي. هذا التأكيد على الثوابت الوطنية يعكس التزام الحزب بمبادئ المسؤولية والتفاني في خدمة المصالح العليا للبلاد.
إصلاحات هيكلية ومشاريع تنموية ملموسة
انتقل الطالبي العلمي إلى “تشريح” الحصيلة الحكومية والحزبية، مبرزاً فارقاً جوهرياً بين “الفهم السطحي للإصلاح” و”التصور المجتمعي المتكامل”. وانتقد المقاربات التي تكتفي بـ”الترقيع أو الحلول المؤقتة”، مؤكداً أن الحكومة الحالية تتبنى إصلاحات بنيوية في قطاعات حيوية كالتعليم والصحة والحماية الاجتماعية، مثل “أمو تضامن” و”الدعم الاجتماعي المباشر”. هذه الإصلاحات تهدف إلى صون كرامة المواطن وضمان حقوقه دون الحاجة لـ”وساطة أو ابتزاز”. الأرقام والاعتمادات المالية المرصودة لهذه القطاعات تنطق بـ”النقلة النوعية” التي تحققت، وهي نتاج التزام أخلاقي وانتخابي مع المواطنين، وتنفيذ دقيق للرؤية الملكية السامية التي تهدف لإدخال المغرب نادي الدول الصاعدة.
تمكين الشباب والنساء: دعامة الحداثة الحزبية
في ختام كلمته، ركز عضو المكتب السياسي للتجمع الوطني للأحرار على الجانب الهوياتي للحزب، معرباً عن فخره بكون التنظيم السياسي يمتلك أكبر فريق نيابي شاب، وأنه الحزب الذي مكن النساء من مناصب قيادية وتنفيذية غير مسبوقة، مثل عمدة العاصمة الإدارية والاقتصادية، ورئاسة لجان برلمانية، ورئاسة جهات. هذا التمكين، وفقاً للمتحدث، ليس “دغدغة للعواطف”، بل هو جزء أصيل من عقيدة الحزب الحداثية. في مواجهة “تجارة الأزمات والخطابات المنتعشة في البؤس”، دعا الطالبي العلمي مناضلي الحزب إلى مواصلة ممارسة السياسة بـ”نبل ومسؤولية”، معتمداً لغة الأرقام والحقائق، حيث تظل المحاسبة الحقيقية في صناديق الاقتراع، بعيداً عن ضجيج الشعارات الجوفاء.
للمزيد من الأخبار والتحليلات السياسية، يمكنكم زيارة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك