شهد المشهد السينمائي المغربي مؤخرًا موجة من النقاشات المحتدمة حول آليات دعم الإنتاجات الفيلمية، لا سيما ما يتعلق بـجدل دعم الأفلام الوثائقية بالصحراء المغربية. فقد أثار إعلان نتائج الدورة الثالثة للجنة دعم الأفلام السينمائية ردود فعل قوية من قبل مهنيي القطاع في الأقاليم الجنوبية، الذين عبروا عن استيائهم من ما اعتبروه إقصاءً شبه كلي لمشاريعهم، مقابل استفادة جهات حديثة العهد بالمجال. هذا الوضع يفتح الباب واسعًا أمام تساؤلات جوهرية حول شفافية المعايير المعتمدة ومدى تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص في توزيع المال العام المخصص لدعم الإبداع السينمائي.
أصوات من الأقاليم الجنوبية: مطالبات بالإنصاف
تلقى الإعلان عن نتائج الدعم صدى سلبيًا لدى العديد من المخرجين والمنتجين المنحدرين من الصحراء المغربية. فقد عبر هؤلاء المهنيون عن خيبة أملهم من عدم اختيار مشاريعهم، التي أكدوا أنها سبق وأن حصدت تقديرًا في مهرجانات وطنية ودولية مرموقة. من أبرز النقاط التي أثاروها كانت:
- غياب التمثيلية: شكوى من نقص حاد في مشاريع المخرجين من الأقاليم الجنوبية ضمن قائمة المشاريع المدعومة، مما يعكس – حسب وجهة نظرهم – إقصاءً غير مبرر.
- تساؤلات حول المعايير: طرح علامات استفهام حول الأسس التي تعتمدها اللجنة في انتقاء المشاريع، خاصة في ظل ظهور شركات إنتاج جديدة تستفيد بشكل متكرر.
- تأثير الخبرة: عبر بعض الفاعلين عن تخوفهم من أن يؤثر وجود أعضاء في اللجنة يفتقرون للخبرة السينمائية الفعلية على موضوعية التقييم وجودته الفنية.
يؤكد هؤلاء المهنيون أن السينما الوثائقية، خاصة تلك التي تتناول الثقافة والتاريخ والفضاء الصحراوي الحساني، تشكل مصدر رزق أساسيًا لهم، وتساهم في إبراز غنى المنطقة ثقافيًا.
توضيحات لجنة الدعم: إطار قانوني وتقييم فني
في المقابل، قدم أمين ناسور، رئيس لجنة دعم إنتاج الأعمال السينمائية بالمغرب، إيضاحات بخصوص الانتقادات الموجهة للجنة. وشدد ناسور، في تصريح لـالجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب، على أن عمل اللجنة يتم في إطار قانوني ومؤسساتي صارم، يخضع لضوابط دقيقة تضمن الشفافية والنزاهة. وتتلخص أبرز نقاط توضيحاته في:
- الاستقلالية والحياد: أكد أن قرارات اللجنة تبنى على تقييم فني وتقني جماعي، دون أي اعتبار للانتماء الجغرافي أو الخلفيات الشخصية.
- معايير موضوعية: شدد على أن معايير الانتقاء تشمل جودة المشاريع، قيمتها الفنية، قابليتها للإنتاج والتوزيع، بالإضافة إلى المسار المهني لحامليها.
- تنوع الخبرات: أوضح أن تنوع أعضاء اللجنة، بما في ذلك الكفاءات القادمة من مجالات مسرحية أو تلفزيونية، يعد نقطة قوة تعزز جودة القرار وتعدد زوايا النظر.
- مراقبة صارمة: أشار إلى أن مساطر الدعم تخضع لمراقبة مالية وإدارية دقيقة، مما ينفي أي اتهامات بـ”شركات وهمية” أو “استفادة متكررة” ما لم تكن مدعومة بحجج قوية.
ودعا ناسور إلى نقاش بناء ومسؤول يركز على الارتقاء بالمستوى الفني والإنتاجي للسينما المغربية، بعيدًا عن التشكيك المجاني.
الفدرالية المهنية تدعو لإنصاف خاص بـ جدل دعم الأفلام الوثائقية بالصحراء المغربية
من جانبه، علق سعيد زريبيع، رئيس فيدرالية مهنيي السينما والسمعي البصري بالصحراء، على هذا الجدل دعم الأفلام الوثائقية بالصحراء المغربية، مؤكدًا متابعته للعديد من الشكايات من منتجين ومخرجين صحراويين. ورغم إقراره بصعوبة مهمة لجان الدعم في ظل محدودية الميزانية وكثرة الطلبات، إلا أنه شدد على نقاط جوهرية:
أولوية أبناء المنطقة: أكد زريبيع أن دفتر تحملات المركز السينمائي المغربي ينص صراحة على أولوية استفادة شركات ومخرجي وتقنيي الأقاليم الجنوبية من صندوق الدعم، خصوصًا في الأفلام الوثائقية الحسانية. وهو ما يقتضي، حسب قوله، إيلاء اهتمام خاص لمهنيي المنطقة.
وأشار إلى أن أعمال مهنيي الصحراء قد جابت مهرجانات سينمائية دولية مرموقة وحصدت جوائز، مما يؤكد جودتها واستحقاقها للدعم. كما شدد على أن السينما تمثل مصدر العيش الوحيد لغالبية المشتغلين بالقطاع في هذه الأقاليم. واختتم زريبيع حديثه بالتأكيد على مشروعية مطالب المحتجين، مستحضرًا مقولة “أهل مكة أدرى بشعابها”، وذلك لتفادي تكرار أخطاء سابقة في أعمال سينمائية لم يكن مخرجوها من أبناء المنطقة.
نحو مستقبل أكثر عدالة وشفافية لدعم السينما
إن جدل دعم الأفلام الوثائقية بالصحراء المغربية يسلط الضوء على ضرورة مراجعة مستمرة لآليات الدعم السينمائي لضمان الشفافية، العدالة، وتكافؤ الفرص للجميع، مع مراعاة الخصوصيات الجهوية. يجب أن يكون الهدف الأسمى هو تطوير السينما المغربية ككل، وتشجيع الإبداع من كل مناطق المملكة، وتعزيز صورتها كفضاء للتنوع الثقافي والفني. إن تحقيق العدالة الثقافية لا يتم إلا من خلال العمل الجاد واحترام قواعد التنافس الشريف والمؤسسات، بما يخدم المصلحة العليا للقطاع السينمائي في المغرب.
إن الحوار المفتوح بين المهنيين واللجان المسؤولة، مع الاستماع الجاد للملاحظات، هو السبيل الوحيد لتجاوز هذه التحديات وبناء نظام دعم سينمائي يعكس الطموحات الفنية ويساهم في إثراء المشهد الثقافي الوطني.
التعليقات (0)
اترك تعليقك