تُسلط الأحداث الأخيرة في شمال المغرب، حيث الفيضانات العارمة التي اجتاحت مناطق واسعة، الضوء مجددًا على ظاهرة مقلقة: استغلال المهاجرين غير النظاميين لهذه الظروف القاهرة لمحاولة العبور نحو الضفة الأوروبية. إنها ليست مجرد صدفة، بل هي جزء من تكتيكات المهاجرين غير النظاميين أثناء الأزمات، حيث تتحول الكوارث الطبيعية إلى “فرصة” في أعين من يائسوا من انتظار فرص العبور النظامي.
تشير التقارير الواردة من جمعيات المجتمع المدني، وعلى رأسها الجمعية المغربية لمساعدة المهاجرين في وضعية صعبة، إلى تصاعد لافت في محاولات الهجرة السرية نحو إسبانيا. ففي خضم انشغال السلطات المغربية بعمليات الإنقاذ والإغاثة في مناطق مثل القصر الكبير وشفشاون وطنجة، استطاع عشرات المهاجرين، خاصة من دول إفريقيا جنوب الصحراء، اختراق الحواجز الحدودية، مستغلين سوء الأحوال الجوية وضعف الرقابة المؤقت. هذا النمط السلوكي ليس بجديد، بل هو تكرار لسيناريوهات سابقة، كما حدث إبان زلزال الحوز المدمر، حيث شهدت الفترة التي تلت الكارثة ارتفاعًا في محاولات العبور.
سيكولوجية الاستغلال: دوافع المهربين والمهاجرين
يعتمد المهربون والوسطاء بشكل أساسي على منطق انتهاز الفرص. إنهم يراقبون عن كثب أي طارئ أمني أو طبيعي يمكن أن يشتت انتباه القوات العمومية (الدرك الملكي، القوات المساعدة، الأمن الوطني). بالنسبة لهم، الأزمات هي بمثابة “فرصة ذهبية” لتخطيط وتنسيق عمليات العبور. إن استغلال انشغال الدولة بمهام الإنقاذ والإغاثة يعكس ذكاءً ميدانيًا في تحديد الثغرات الأمنية المؤقتة. يُشدد الخبراء في شؤون الهجرة، مثل الباحث حسن بنطالب، على أن المهاجرين أنفسهم يمتلكون قدرة عالية على التأقلم مع المتغيرات الميدانية، ويبحثون عن أدق الفرص المتاحة للتحرك السريع والدقيق، خاصة أولئك الذين فشلت محاولاتهم السابقة.
المخاطر المتصاعدة: وجه آخر للعبور في الأزمات
في حين قد تبدو هذه الظروف فرصة للمهاجرين، فإنها تحمل في طياتها مخاطر جسيمة. إن المغامرة في ظل عواصف هوجاء أو فيضانات جارفة ترفع بشكل كبير من احتمالات الوفاة أو الإصابة بجروح خطيرة. يُشبه الفاعلون المدنيون هذه المحاولات بـ”من يلعب مباراة نهائية، يضع كل رهاناته في كفة واحدة دون مبالاة بالمخاطر المحدقة”. هذا يبرز يأس المهاجرين واستعدادهم للمخاطرة بحياتهم في سبيل تحقيق حلم العبور، بغض النظر عن الظروف القاسية.
تحديات الرقابة الحدودية في مواجهة تكتيكات المهاجرين غير النظاميين أثناء الأزمات
تُشكل الأزمات الطبيعية تحديًا لوجستيًا وأمنيًا كبيرًا للسلطات المسؤولة عن مراقبة الحدود. فالموارد البشرية واللوجستية غالبًا ما تُوجه نحو المناطق المنكوبة، مما قد يؤدي إلى تخفيف مؤقت للرقابة في نقاط معينة. ومع ذلك، يؤكد المسؤولون والخبراء أن المغرب ليس “منزلاً مفتوحًا”، بل يفرض رقابة حدودية قوية ومشددة في مختلف الظروف. تُعتبر “فزاعة” الهجوم الكثيف التي يروج لها الاتحاد الأوروبي في أوقات الكوارث في بلاد الساحل “تمثيلات خاطئة”، تهدف أحيانًا إلى الحصول على تمويلات أوروبية تحت ذريعة وجود خطر داهم. الواقع يثبت أن هذه التكتيكات، رغم فعاليتها المؤقتة، تبقى محدودة أمام يقظة الأجهزة الأمنية المغربية الصارمة.
- التحول في طرق الهجرة: تظهر بيانات وكالات مثل فرونتكس أن تشديد الرقابة في الشمال يدفع بالتدفقات نحو جزر الكناري، مما يعكس مرونة المهاجرين في تغيير مساراتهم.
- الهجرة الداخلية في إفريقيا: تؤكد الدراسات أن الغالبية العظمى من التنقلات البشرية (حوالي 80%) تظل داخل القارة الإفريقية، وأن القلة القليلة فقط هي التي تتوجه فعليًا نحو أوروبا. هذا يدحض بعض المفاهيم المغلوطة حول حجم التدفقات.
- التعاون الدولي: تُبرز هذه الظاهرة الحاجة الماسة إلى تعزيز التعاون الدولي بين دول المنشأ والعبور والوجهة لمكافحة شبكات التهريب وتقديم حلول مستدامة لمشكلة الهجرة غير النظامية.
في الختام، يظل استغلال الظرفيات السياسية أو الطبيعية تكتيكًا محدودًا وخطيرًا. فبينما قد ينجح البعض في العبور، فإن الغالبية العظمى تواجه مصيرًا مجهولًا ومخاطر تهدد حياتهم. إن معالجة جذور الهجرة غير النظامية وتصحيح المفاهيم السائدة حولها هو السبيل الوحيد نحو مقاربة أكثر إنسانية وفعالية لهذه القضية المعقدة. للمزيد من التقارير المتعمقة حول قضايا الهجرة، يمكنكم زيارة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك