في سياق عالمي يتسم بتسارع التغيرات وزيادة المطالب بالحوكمة والنجاعة، يبرز دور منظمات المجتمع المدني كشريك أساسي في التنمية. ولتحقيق هذه الأهداف الطموحة، بات تبني معايير الجودة العالمية ضرورة ملحة. وفي هذا الإطار، تعززت المكتبة المغربية والعربية بإصدار جماعي فريد يقدم دليل تطبيق إيزو 9001 لمنظمات المجتمع المدني، وهو مرجع عملي يهدف إلى الارتقاء بالأداء المؤسسي وضمان استدامته.
هذا الإصدار الجديد، الذي يحمل عنوان “إرساء نظام تدبير الجودة طبقاً للمواصفة الدولية إيزو 9001/2015.. دليل عملي للمؤسسات ومنظمات المجتمع المدني”، هو ثمرة جهد مشترك لثلة من الباحثين المغاربة ذوي الخبرة الأكاديمية والميدانية؛ وهم الدكتور أحمد مزهار، والدكتور محمد أمين لمباركي، والدكتور إبراهيم زعدود. وقد صدر هذا العمل عن “مؤسسة مقاربات للنشر والصناعات الثقافية”، ويعد مساهمة قيمة في مسار مأسسة وتجويد أداء المؤسسات غير الربحية والجمعيات.
أهمية الحوكمة والجودة في القطاع المدني
لم يعد السعي نحو الجودة مجرد خيار تكميلي أو رفاهية بروتوكولية، بل أصبح ركيزة أساسية لضمان استمرارية منظمات المجتمع المدني ومصداقيتها. في ظل تزايد التحديات والفرص، تحتاج هذه المنظمات إلى تبني أنظمة تدبير واضحة وفعالة تعزز ثقة الشركاء والممولين والمستفيدين. إن تطبيق معايير إيزو 9001 يوفر إطاراً منهجياً لتحسين العمليات، إدارة المخاطر، والالتزام بالتحسين المستمر، وهو ما ينعكس إيجاباً على فاعلية المنظمة وشفافيتها.
إن إرساء نظام إدارة الجودة يسهم في:
- تعزيز المصداقية: الحصول على شهادة الآيزو يعكس التزام المنظمة بالمعايير العالمية، مما يقوي ثقة الجهات المانحة والشركاء والمتطوعين.
- تحسين الكفاءة التشغيلية: من خلال تحليل وتوثيق العمليات، يمكن للمنظمات تحديد نقاط الضعف وتبسيط الإجراءات، مما يوفر الوقت والموارد.
- تحقيق الاستدامة: تضمن الأنظمة الممنهجة استمرارية العمل حتى في ظل التغيرات الإدارية أو التحديات الخارجية.
- تلبية توقعات المستفيدين: بفضل التحسين المستمر، يتم تقديم خدمات ذات جودة أعلى تلبي احتياجات وتوقعات الفئات المستهدفة بشكل أفضل.
“دليل تطبيق إيزو 9001 لمنظمات المجتمع المدني”: رؤية عملية
يتميز هذا الدليل بكونه يبتعد عن التنظير الأكاديمي البحت ليقدم حلولاً تطبيقية قابلة للتنفيذ المباشر. يركز المؤلفون على تبسيط البنود التقنية المعقدة للمواصفة الدولية إيزو 9001/2015، وتحويلها إلى لغة تدبيرية مفهومة تتناسب مع طبيعة عمل المؤسسات التعليمية، والمنظمات غير الربحية، والمؤسسات الصغرى والمتوسطة.
من أبرز محاور الكتاب ومنهجيته الفريدة:
- تبسيط معايير ISO: تحويل البنود الفنية للمواصفة الدولية إلى مفاهيم إدارية واضحة ومباشرة.
- هندسة العمليات: تقديم منهجية دقيقة لتحويل الأنشطة التقليدية إلى عمليات مترابطة، مما يسهل المراقبة، وتحديد المسؤوليات، وقياس النتائج بدقة.
- إدارة المخاطر والفرص: تمكين المؤسسات من تبني التفكير المبني على المخاطر، وهو جوهر النسخة الجديدة للمواصفة، لضمان استباق الأزمات واستغلال الفرص المتاحة.
- ملاءمة الجودة مع المجتمع المدني: معالجة إشكالية توطين مفاهيم الجودة الصناعية لتتناسب مع قيم وأهداف العمل الجمعوي والتنموي، دون المساس بجوهرها.
- التحسين المستمر كفلسفة عمل: تحديد آليات عملية للتقييم الذاتي والتدقيق الداخلي، لضمان أن تكون الجودة سيرورة مستدامة نحو التطوير الدائم ورضا المستفيدين.
الجودة كرافعة للتنمية المستدامة
يؤكد مؤلفو هذا الدليل في تصديرهم للكتاب أن الانخراط في نظام تدبير الجودة لم يعد اختياراً ثانوياً، بل أصبح ضرورة حتمية لضمان الحوكمة الجيدة داخل الجمعيات والمنظمات. هذا التوجه يعزز منسوب الثقة لدى الشركاء والممولين والمستفيدين على حد سواء، ويفتح آفاقاً جديدة للتعاون والشراكات الفعالة.
يعد هذا العمل الجماعي مرجعاً أساسياً للمؤسسات التعليمية والشركاء والباحثين في علوم التدبير، كما أنه مستند مهم لعموم الفاعلين في “القطاع الثالث” (الجمعوي) الراغبين في الارتقاء بمؤسساتهم نحو معايير التميز الدولية. إنه دعوة واضحة للانتقال من العشوائية إلى المؤسساتية، ومن مجرد الأداء إلى الإتقان والجودة الشاملة.
للمزيد من الأخبار والمقالات المتخصصة، يمكنكم زيارة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك