شهدت الساحة القانونية المغربية مؤخرًا حالة من الاحتقان الشديد، ترجمتها وقفة احتجاجية غير مسبوقة تمثلت في توقف العدول عن العمل بالمغرب بشكل شامل. هذا الإضراب، الذي أعلنه المجلس الجهوي لعدول استئنافية الرباط، ليس مجرد توقف عابر، بل هو تعبير عن رفض عميق لمشروع القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم المهنة، الذي يرى فيه العدول تهديدًا لاستقرار مهنتهم ومستقبلها.
بدأ التوقف التام عن تقديم كافة الخدمات التوثيقية في الفترة ما بين 2 و10 مارس المقبل، ليشمل شللاً كاملاً لجميع التعاقدات والعقود، والمعاملات الإلكترونية، والاستشارات المهنية، وتوقيع النسخ. هذه الخطوة التصعيدية تأتي للدفاع عن كرامة مهنة العدالة وصون مكتسباتها التاريخية، وهي مهنة متجذرة في التاريخ المغربي لأكثر من 12 قرنًا، وتستند على مبادئ العدل والإنصاف التي نص عليها الدين الإسلامي الحنيف.
أسباب توقف العدول عن العمل بالمغرب: نقاط الخلاف الجوهرية
تكمن الأزمة الحالية في مشروع القانون الجديد الذي صادقت عليه الحكومة ومجلس النواب، والذي وصفه المهنيون بالمخيب للآمال والمناقض للمخرجات المتفق عليها سابقًا مع وزارة العدل. ويُعد من أبرز نقاط الخلاف التي دفعت الهيئة الوطنية للعدول وكافة الإطارات المهنية والنقابية إلى التصعيد ما يلي:
- آلية الإيداع: يطالب العدول بمنحهم صلاحيات كاملة فيما يتعلق بإيداع الأموال المتعلقة بالمعاملات التوثيقية، أسوة بباقي المهن التوثيقية الأخرى. ويرون أن حرمانهم من هذه الآلية يقوض استقلاليتهم المهنية ويضعف دورهم.
- التلقي الفردي: يتعلق هذا المطلب بحق العدول في تلقي الأموال بشكل فردي ومباشر في المجالين العقاري والمالي، وهو ما يعتبرونه أساسيًا لضمان المساواة المهنية والأمن التعاقدي للمواطنين.
- تقييد الصلاحيات التوثيقية: يرى العدول أن المشروع الحالي يتضمن بنودًا تحد من صلاحياتهم التوثيقية، مما يقلل من نطاق عملهم ويهمّش دورهم التاريخي في توثيق العقود والأحوال الشخصية.
وفي هذا الصدد، صرح السيد إدريس طرالي، ممثل المجلس الجهوي لعدول استئنافية الرباط، أن هذه الخطوات تهدف إلى مطالبة رئيس الحكومة بسحب المشروع الحالي الذي لا يرقى إلى مستوى طموحات المهنيين ولا ينصف مهنة عريقة. مشددًا على أن الساحة العدلية تعيش حالة من الاحتقان والاستياء الشديدين بسبب عدم استجابة الحكومة للمطالب المشروعة.
تداعيات الإضراب على المواطنين والمعاملات القانونية
لا شك أن توقف العدول عن العمل بالمغرب له تأثير مباشر وخطير على مصالح المواطنين والمعاملات القانونية والاقتصادية. فمهنة العدول تلعب دورًا حيويًا في توثيق العقود، خاصة ما يتعلق بالزواج والطلاق والإرث والوصايا، بالإضافة إلى المعاملات العقارية والمالية. ومع شلل المرفق التوثيقي، يجد المواطنون أنفسهم أمام:
- تأخير وتعطيل للمعاملات: تتوقف عمليات بيع وشراء العقارات، وعقود الزواج والطلاق، والتصرفات القانونية الأخرى، مما يخلق حالة من الجمود الاقتصادي والاجتماعي.
- عدم اليقين القانوني: قد يواجه الأفراد والشركات تحديات في إنجاز التزاماتهم التعاقدية، مما يؤدي إلى خسائر مالية وتوترات قانونية.
- تراكم الملفات: سيزيد هذا التوقف من حجم الملفات المتأخرة التي تنتظر التوثيق، مما يزيد من الضغط على المنظومة القضائية بعد انتهاء الإضراب.
يؤكد العدول أن هذا الشلل هو نتيجة حتمية لتعنت الوزارة الوصية ورفضها للتعديلات المقترحة من قبل الفرق البرلمانية والأحزاب السياسية بخصوص الملف المطلبي. كما نبه المتحدثون إلى وجود “لوبيات” تسعى إلى تقزيم مهنة العدالة وتهميش دورها التاريخي كجزء أصيل من الهوية الوطنية.
رؤية الوزارة ومستقبل المهنة
في المقابل، تؤكد وزارة العدل أن المشروع الجديد يهدف إلى عصرنة المهنة عبر رقمنة الإجراءات وفتح المجال للمرأة بشكل قانوني صريح، مع تغيير مسمى المهنة رسميًا. ورغم هذا التوجه، يلوح العدول بخطوات تصعيدية غير مسبوقة، مطالبين بتعديلات جوهرية تضمن الاستقلالية المهنية والأمن التعاقدي للمواطنين قبل المصادقة النهائية على القانون.
إن هذا الخلاف العميق حول مشروع القانون المنظم لمهنة العدول يسلط الضوء على ضرورة الحوار البناء والتوافق بين جميع الأطراف. فمهنة العدالة هي ركيزة أساسية لأي مجتمع، وضمان استقرارها وتطورها يصب في مصلحة الوطن والمواطنين. ويترقب الجميع مخرجات هذه الأزمة، على أمل التوصل إلى حل يرضي جميع الأطراف ويحافظ على كرامة المهنة ومكتسباتها التاريخية، مع تحقيق التحديث المنشود. للمزيد من التغطيات الإخبارية، تابعوا الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك