عاجل

سوق رأس الشراطين في فاس: شاهد على تحولات التجارة والحرف عبر العصور

سوق رأس الشراطين في فاس: شاهد على تحولات التجارة والحرف عبر العصور

يُمثل سوق رأس الشراطين في مدينة فاس العتيقة محوراً تجارياً وحرفياً تاريخياً، يشهد تحولات مستمرة تعكس تفاعل الموروث التقليدي مع متطلبات العصر الحديث. ويقع هذا السوق، الذي يتخذ شكلاً يشبه الغصن بأربعة فروع، في قلب المدينة العتيقة، مما يجعله ممراً رئيسياً يربط بين أسواقها الشمالية والجنوبية ويختزل ذاكرة تجارية غنية.

يتفرع السوق شمالاً نحو سوق القطانين، المشتمل على مؤسسات بنكية وصناعات يدوية كالخياطة، ومتاجر للمواد الخام، وبنايات تاريخية. بينما يؤدي امتداده الشمالي الشرقي إلى سوق الشماعين، المعروف بتجارة الفواكه الجافة والشموع والمطرزات، وتطل واجهته على باب الشماعين المهيب لجامع القرويين.

ويؤدي يسار هذا الامتداد إلى معبر داخل الحرم الإدريسي، عُرف عبر التاريخ بأسماء عدة مثل “المضايمية” و”سوق العقاد”، تكيفت مع تطور الصناعات اليدوية وحاجاتها. أما الامتدادان الجنوبيان، فينفتحان على سوقين حرفيين تقليديين.

يؤدي الأول إلى سوق “القزادريين”، الذي كان متخصصاً حتى سبعينيات القرن الماضي في صناعة الأواني القصديرية وأدوات تحضير الحلويات. وتحول هذا السوق اليوم ليصبح سوقاً للمنتوجات السكرية والحلويات التي كانت تُباع تقليدياً في رمضان، مثل “الشباكية” و”السفوف”، وأضيفت إليها منتجات حلوة أخرى تعرض طوال السنة.

أما الامتداد الجنوبي الثاني فيفضي إلى سوق “القبابين”، المتخصص قديماً في صناعات خشبية محددة كالقباب وسطول الحمامات ومكاييل الحبوب، وهي حرفة انتقلت من الأندلس إلى فاس.

ويمتاز سوق رأس الشراطين بكونه الممر الأساسي الذي يغني عن عبور الأزقة المحيطة بجامع القرويين، كما كان نقطة وصل تجارية بين وسط المدينة العتيقة وجنوبها، حيث كانت تقع جلسة حمالة فاس المعروفة بـ”زرزاية”. وهو السوق الوحيد في فاس الذي يضم سقايتين للماء ومسجدين وكتاباً لتحفيظ القرآن.

وسكن السوق في فترة سابقة المؤلف والممثل والمخرج المسرحي محمد صوصي علوي هاشم، المعروف بسيدي خويا، خلال دراسته في القرويين وعمله مع جمعية المسرح الشعبي والفرقة الوطنية.

ويتميز السوق اليوم بسبق تجاره في عرض منتجات الموضة العصرية والتكيف مع تجارة الملابس الجاهزة للرجال والأطفال والنساء، من أحذية وبدلات عصرية وقفاطين وجلاليب بحلة جديدة، إلى جانب محلات للعطور المستوردة وأدوات التجميل.

وعرف السوق، قبل غيره في فاس القديمة، افتتاح أول صالون حلاقة للنساء، الذي قوبل بمواقف اجتماعية متباينة بين القبول والرفض، لكن الموقف الرافض بقي محدوداً ولم يتحول إلى عداء علني.

وتشير قلة المساكن في السوق مقابل وجود سبعة فنادق تجارية تاريخية، تحول بعضها إلى مدارس أو مستودعات أو صيدليات حديثة، إلى النشاط التجاري المكثف الذي شهده بعد تحوله من تجارة منتجات نبات الدوم إلى تجارات متنوعة.

ولم يقتصر نشاط السوق على الملابس وأدوات الزينة، بل شمل أيضاً سلعاً تتعلق بالتغذية والحاجات اليومية للسكان.

ومن المتوقع أن يستمر هذا السوق التاريخي في أداء دوره كجسر بين الماضي والحاضر، مع الحفاظ على طابعه الأصلي كقلب نابض للتجارة والحرف في المدينة العتيقة، وسط تحولات اقتصادية واجتماعية مستمرة.

التعليقات (0)

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.