أطلقت المصالح المركزية بوزارة الداخلية المغربية، وتحديداً مديرية الجماعات الترابية، عمليات تدقيق موسعة للتحقق من شبهات تورط رؤساء جماعات ترابية في ملفات تتعلق بتسييل ديون جماعية مستحقة للمقاولين. وجاء هذا التحرك استناداً إلى تقارير وردت من أقسام الشؤون الداخلية بالعمالات، أشارت إلى تحول تأخيرات في تسوية الديون إلى وقائع مساومة ممنهجة.
وحسب مصادر مطلعة، فإن التقارير المذكورة لمحت إلى قيام رؤساء بعض الجماعات الترابية بمفاوضة مقاولين دائنين، معظمهم من أصحاب المقاولات الصغيرة والمتوسطة، لقبول صفقات مجزية كتعويض عن مستحقاتهم المالية المتأخرة. ويشتبه في أن هذه الممارسات تستهدف تحقيق مكاسب انتخابية مع اقتراب نهاية الولايات الحالية وموعد الاستحقاقات المقبلة.
وكشفت المصادر أن التقارير الاستقصائية نقلت مضامين شكايات رفعها مقاولون متضررون، اشتكوا من تسويف ومماطلة رؤساء جماعات في تسوية أوضاعهم المالية. ووثقت التقارير اعتماد آليات تعطيل متعددة الأوجه من قبل بعض المجالس، شملت تأخير التوقيع على أوامر صرف النفقات، وتجميد العمل بالمنظومة الإلكترونية للفوترة الإلزامية، رغم إنجاز المقاولين للأشغال وتسليم التوريدات وفق العقود المبرمة.
ورصدت التقارير الواردة من العمالات وقائع انحرافات مالية في تدبير طلبيات جماعية تقدر قيمتها بالمليارات. وتمثلت هذه الانحرافات في تجزئة صفقات كبيرة إلى حصص صغيرة لا تتجاوز قيمة الواحدة منها 200 ألف درهم (20 مليون سنتيم)، مما أتاح تفادي إجراءات طلب العروض التنافسية المنصوص عليها في مرسوم الصفقات العمومية.
وفتحت هذه الممارسة الباب أمام تعاملات مباشرة مع ممونين محددين تربطهم علاقات مصالح ببعض المنتخبين. وأكدت التقارير استغلال مرونة سندات الطلب للتحايل على الضوابط القانونية المنظمة للصفقات العمومية.
وأوضحت المصادر أن التحقيقات توقفت أيضاً عند حالات إصدار وثائق استلام توريدات وهمية، بهدف تبرير نفقات لا أساس فعلياً لها. وتبين أن المستفيدين الفعليين من هذه الصفقات المجزأة هم في الغالب ممونون يرتبطون بعلاقات مشبوهة مع منتخبين، مما عزز الشكوك حول وجود منظومة ريع سياسي تتغذى من الميزانيات الجماعية.
ولم تسلم من هذه الخروقات حتى الجماعات التي كانت تعيش توترات داخلية حادة، حيث تمكن رؤساؤها من تمرير صفقات على المقاس، ونيل موافقة سلطات الوصاية عليها.
وفي سياق متصل، وجهت مصالح وزارة الداخلية تعليمات صارمة إلى العمال لعقد اجتماعات عاجلة تجمع رؤساء الجماعات بالمقاولين الدائنين. وتهدف هذه الاجتماعات إلى فك النزاعات العالقة في ملفات المستحقات، مع إيلاء أولوية خاصة للمقاولات الصغيرة جداً التي تعاني أوضاعاً اقتصادية هشة.
وتأتي هذه الخطوة في إطار توجه وطني يراهن على تقليص آجال أداء مستحقات المقاولين كأحد ركائز تحسين مناخ الأعمال. وكانت دورية وزارية سابقة خاصة بتفعيل منظومة الفوترة الإلكترونية قد حذرت صراحة من أن التأخر في الأداء يهدد التوازنات المالية للمقاولات ويقوض الثقة في المنظومة العمومية.
وأشارت تقارير أقسام الشؤون الداخلية، حسب المصادر نفسها، إلى استغلال بعض رؤساء المجالس للاستعدادات الخاصة بالمناسبات الوطنية وتأثيث المهرجانات والمواسم الصيفية كغطاء لتضخيم فواتير عتاد التزيين. وشكلت هذه الفواتير النصيب الأكبر من الصفقات المشبوهة التي تم رصدها خلال الأشهر الأخيرة، وفقاً لشكايات مقاولين توصلت بها عدة عمالات.
ومن المتوقع أن تستمر عمليات التدقيق والتفتيش المركزية التي تشرف عليها مديرية الجماعات الترابية لعدة أسابيع قادمة. وستحدد نتائج هذه العمليات الإجراءات التأديبية أو القانونية المحتملة بحق أي منتخب أو مسؤول ثبُت تورطه في هذه الممارسات، وذلك تماشياً مع السياسة الرامية إلى ضبط التدبير المالي للجماعات الترابية وحماية المال العام.
التعليقات (0)
اترك تعليقك