بعد عقود من الاعتماد على الملاحظة السريرية ووصف الأمراض بشكل عام، تشهد الممارسة الطبية تحولا جذريا نحو نهج فردي يعتمد على البيانات الجزيئية والتقنيات الرقمية. هذا التحول، الذي تدفعه التطورات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي والطب الجزيئي، يضع أسسا جديدة لعلم التشخيص، حيث أصبح بالإمكان تحديد السمات البيولوجية الفريدة لكل مريض.
في مؤتمر طبي دولي عقد مؤخرا في مدينة برشلونة، قدم باحثون من عدة مراكز طبية أوروبية أدلة سريرية على فعالية التشخيص الدقيق في تحسين نتائج العلاج. وأظهرت البيانات أن دمج تحليلات الحمض النووي الريبي والبروتينات مع خوارزميات التعلم الآلي يسمح بالكشف المبكر عن أمراض مثل السرطان وأمراض القلب والأوعية الدموية بدقة غير مسبوقة.
أكد البروفيسور جان بيير دوبوا، مدير معهد الطب الدقيق في جامعة السوربون، خلال كلمته في المؤتمر أن “الطب التقليدي كان يعالج المرض وفقا لفئة عامة، أما الآن فنحن نعالج المريض بناء على ملفه الجزيئي الفريد”. وأضاف أن هذه المنهجية تقلل من الآثار الجانبية للأدوية وتزيد من فعاليتها بنسبة تصل إلى 40 في المئة.
تعتمد تقنيات التشخيص الدقيق على أربعة محاور رئيسية. الأول هو التسلسل الجيني الكامل للجينوم البشري بتكلفة تقل عن ألف دولار أميركي، مما يجعله متاحا بشكل متزايد. الثاني هو تحليل البروتيوم، أي دراسة جميع البروتينات في الخلية، للكشف عن المؤشرات الحيوية للمرض. الثالث هو استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل كميات هائلة من البيانات الطبية والجينية في ثوان. الرابع هو التصوير الجزيئي المتقدم الذي يسمح برؤية التفاعلات الخلوية في الوقت الفعلي.
في هذا السياق، طور فريق بحثي من مستشفى جامعة زيورخ نموذجا للذكاء الاصطناعي قادرا على التنبؤ باحتمالية إصابة الشخص بمرض السكري من النوع الثاني قبل خمس سنوات من ظهور الأعراض. النموذج، الذي يستخدم بيانات من تحليل عينات الدم الروتينية، أظهر دقة بلغت 87 في المئة في التجارب السريرية.
مع ذلك، يواجه تطبيق التشخيص الدقيق تحديات أخلاقية وتقنية. من بينها مسألة خصوصية البيانات الجينية للمرضى، والحاجة إلى أطر قانونية تحمي من إساءة استخدام هذه المعلومات. كما أن تكاليف البنية التحتية للتحليل الجزيئي، رغم انخفاضها، لا تزال تشكل عائقا أمام الدول ذات الدخل المحدود.
في المنطقة العربية، بدأت عدة مستشفيات في الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وقطر في دمج الطب الدقيق ضمن خدماتها. أعلنت مدينة الملك عبدالله الطبية في الرياض الشهر الماضي عن إطلاق برنامج وطني لتسلسل الجينوم يستهدف 100 ألف مواطن، بهدف بناء قاعدة بيانات جينية خاصة بالسكان العرب.
تخطط منظمة الصحة العالمية لإصدار دليل إرشادي دولي حول معايير التشخيص الدقيق في الربع الأول من العام المقبل. ومن المتوقع أن تشهد المراكز الطبية المتخصصة في هذا المجال زيادة في الاستثمارات بنسبة 25 في المئة خلال السنوات الثلاث القادمة، وفقا لتقرير صادر عن شركة الأبحاث السوقية آي دي سي.
يقول الدكتور أحمد المنصوري، أخصائي الطب الجزيئي في مستشفى الملك فيصل التخصصي، إن “المرحلة القادمة ستشهد تحولا من الطب التفاعلي إلى الطب التنبؤي، حيث نتمكن من منع الأمراض قبل حدوثها”. ويشير إلى أن هذا يتطلب تعاونا وثيقا بين الحكومات وشركات التكنولوجيا الحيوية والمراكز الأكاديمية.
من المرتقب أن تنظم الجمعية الأوروبية للطب الدقيق مؤتمرها السنوي في نوفمبر 2024 بمدينة برلين، حيث ستركز على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في علم الأمراض الجزيئي. كما تعتزم إدارة الغذاء والدواء الأميركية إصدار إرشادات محدثة بشأن الموافقة على أدوات التشخيص القائمة على الذكاء الاصطناعي قبل نهاية العام الجاري.
التعليقات (0)
اترك تعليقك