يعد سوق الرصيف بمدينة فاس أحد أقدم الأسواق الشعبية في المغرب، حيث يمثل مركزا حيويا للتزويد الغذائي للسكان المحليين وللمطبخ الفاسي العريق. يمتد هذا السوق على مساحة واسعة داخل المدينة القديمة، ويتميز بتنوع معروضاته التي تتراوح بين الخضراوات والفواكه واللحوم الطازجة والأسماك، مما يجعله وجهة أساسية للمشتريين والمزارعين على حد سواء.
يعود تاريخ إنشاء سوق الرصيف إلى قرون مضت، حيث تم تصميمه بدقة وعناية، مع توزيع منظم للمنتجات وفقا لفصول السنة والمواسم الزراعية. كان السوق يضم في الماضي أقساما متخصصة، منها ما يعرف بـ”الحواتين”، وهو القسم المخصص لبيع الأسماك الذي كان يقع عند مدخله الغربي من جهة باب السلسلة.
اشتهر هذا القسم على مر التاريخ ببيع نوع مميز من الأسماك يُعرف محليا بـ”الشابل”، وهو من فصيلة السلمون المرقط (Alosa). كان هذا الحوت يدخل من المحيط الأطلسي عبر مصب نهر سبو قبالة مدينة القنيطرة، ويسبح عكس التيار المائي لمسافة تصل إلى خمسة كيلومترات إلى أن يصل إلى ضواحي فاس، حيث يضع بيضه في روافد النهر ثم يعود أدراجه إلى البحر. كان الفاسيون ينتظرون قدومه في فصل الربيع من كل عام، ويقبلون على شرائه بكثرة، حيث كان يُعد وجبة رئيسية على موائدهم، غالبا مقليا مع نبات البقولة وزيت الزيتون والزيتون المحمض والليمون المخلل.
كان الأطفال في تلك الفترة ينتظرون هذه المناسبة بفرح، حيث يحصلون على كتل بيض الشابل المجمعة والمضغوطة داخل جوف السمكة، والمعروفة محليا باسم “لوليدات”، وكانوا يظنون أنها أبناء الحوت الذي لم تكتمل خلقته. كما وجدت هذه السمكة مكانا لها في الأدب الشعبي المغربي، حيث أدرجها الشعراء في قصائدهم، ومنها قصيدة “الزردة” التي تذكر تحضير عشرين سمكة من الشابل مطبوخة أو مقلية.
تميز حوت الشابل بأنه كان يُعرف في المغرب بـ”الحوت الشريف”، أي النبيل، لأن ظهوره كان محددا بفصل الربيع فقط. كما أُطلق عليه اسم “حوت الفقير” نظرا لتوافره بكثرة في هذا الموسم، مما جعل ثمنه في متناول الجميع. تشير المصادر التاريخية إلى أن السمكة الواحدة من الشابل كانت تضع أكثر من ستمائة ألف بيضة سنويا.
غير أن هذا الحوت انقرض من الأودية المغربية منذ ثمانينيات القرن العشرين بسبب الصيد الجائر. وكان من بين الأسباب الرئيسية لاختفائه بناء سد المنع على نهر سبو قرب مدينة القنيطرة عام 1991، حيث لم يتم تخصيص قنوات أو منافذ لمرور الأسماك، على عكس ما يُطبق في دول مثل ألمانيا، التي تصمم سدودها بمنافذ خاصة لتمكين سمك السلمون من التنقل بين المياه العذبة والمالحة.
في فصل الخريف، كان قسم الحواتين يعرض نوعا آخر من الطيور المهاجرة يُعرف بـ”الزرزور”، يباع حيا أو مذبوحا. كان هذا الطائر الصغير يصل بأعداد كبيرة خلال رحلته السنوية من أوروبا الباردة إلى مناطق جنوبية دافئة في شمال أفريقيا، قاطعا مسافات تزيد على خمسين كيلومترا يوميا. يتغذى الزرزور على الزيتون وتمور النخيل، مما يجعله مصدر قلق لأصحاب أراضي الزيتون، حيث يلحق ضررا كبيرا بمحاصيلهم.
يجلب صيد الزرزور أرباحا موسمية إضافية للصيادين، في حين يعتبر تحضيره من الأكلات الموسمية الشهية في المطبخ الفاسي. يُطهى لحمه بعدة طرق، منها “قدرة” بالبصل أو الحموص أو الزيتون، وقليلا ما يُشوى على الفحم. ويحتوي لحم هذا الطائر على فيتامينات مغذية جعلته محط اهتمام الطهاة المحليين.
يظل سوق الرصيف اليوم أحد المعالم التجارية والتاريخية البارزة في فاس، ورغم اندثار بعض الأنواع من معروضاته، إلا أنه لا يزال يحتفظ بجوهره كفضاء حيوي يربط الماضي بالحاضر عبر نسيج اجتماعي واقتصادي متجدد.
التعليقات (0)
اترك تعليقك