مقدمة: إشكالية التمكين بين النص والتوظيف
في خضم النقاشات الفكرية حول حركات الإسلام السياسي، يبرز كتاب جديد للباحث المغربي محمد بوشيخي بعنوان «طوبى التمكين في الفقه السياسي للتنظيمات الجهادية.. داعش نموذجا»، الصادر عن مركز تريندز للبحوث والاستشارات بأبوظبي. يتناول الكتاب مفهوم طوبى التمكين في الفقه السياسي كأحد المفاهيم الشرعية التي تعرضت لتحولات جذرية، محاولاً تفكيك كيفية تحولها من فكرة أصيلة إلى أسطورة لا تتحقق إلا في أذهان مغلقة.
مفهوم التمكين: من الشرع إلى الأيديولوجيا
يشرح بوشيخي أن التمكين في الفقه الإسلامي التقليدي ليس غاية بحد ذاته، بل هو وعد إلهي يتطلب استيفاء شروط روحية وعلمية وأخلاقية. لكن مع صعود الحركات الجهادية، جرى إعادة توظيف المفهوم ليصبح مرتبطاً بالسلطة السياسية والتمرد المسلح. وهنا تبرز طوبى التمكين في الفقه السياسي كنتاج لانحراف تأويلي، حيث يتم اختزال التمكين في إقامة دولة الخلافة بالقوة، متجاهلاً السنن الإلهية في التغيير.
داعش ونموذج الدولة المستحيلة
يخصص المؤلف قسمًا كبيرًا لتحليل تجربة تنظيم داعش، الذي أعلن «الخلافة» عام 2014 ثم انهارت دولته عام 2019. يرى بوشيخي أن التنظيم عاش حالة من التناقض: فبعد فقدان السيطرة على الأرض، استمر في الترويج لشعار «باقية وتتمدد»، مما يعكس إصرارًا على تحويل التمكين إلى طوبى غير قابلة للتحقق. ويشير إلى أن تعريف الماوردي للإمامة لم يعد ينطبق على خلافة داعش، التي أصبحت حالة ملتبسة في الفقه السياسي.
الآثار الفكرية لطوبى التمكين
من أبرز ما يخلص إليه الكتاب أن طوبى التمكين في الفقه السياسي أدت إلى تعطيل العقل الجهادي عن التفاعل مع الواقع، وجعله أسيرًا لنصوص مؤولة بعيدًا عن سياقاتها. ويضرب المؤلف أمثلة على فتاوى وممارسات تبرر العنف باسم التمكين، مما يفضح تهافت الأدوات النظرية لهذا الفقه. ويؤكد أن استعادة المفهوم الشرعي الأصيل تتطلب إعادة الاعتبار للبعد الأخلاقي والروحي في بناء القوة، بدلًا من الاقتصار على السعي نحو السلطة.
خاتمة: نحو قراءة نقدية للفقه السياسي
يعد كتاب بوشيخي إضافة نوعية للمكتبة العربية في مجال نقد الفكر الجهادي، حيث يقدم قراءة تحليلية عميقة لمفهوم طوبى التمكين في الفقه السياسي، ويكشف كيف يمكن للمفاهيم الشرعية أن تتحول إلى أدوات تدميرية عندما تُنتزع من سياقاتها. وللمزيد من التحليلات والأخبار الفكرية، يمكنكم متابعة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك