مشاريع الماء في قانون المالية 2027: رؤية استراتيجية لمواجهة ندرة المياه
في ظل التحديات المناخية المتزايدة وموجات الجفاف المتعاقبة، يضع المغرب مشاريع الماء في قانون المالية 2027 في صميم أولوياته الوطنية. يهدف هذا التوجه إلى تأمين الموارد المائية وتعزيز السيادة المائية للمملكة، من خلال مقاربة شاملة تجمع بين بناء السدود، وتطوير تحلية مياه البحر، وإنشاء الطرق المائية الرابطة بين الأحواض. وتأتي هذه الجهود استجابةً للطلب المتزايد على المياه الصالحة للشرب والزراعة والصناعة، مع التركيز على استدامة الموارد وحماية الفرشات الجوفية. وفي هذا السياق، يسلط التقرير الضوء على أبرز الإجراءات والمشاريع التي تضمنها مشروع قانون المالية لسنة 2027، والتي تستهدف رفع القدرة الوطنية للتخزين إلى أكثر من 24 مليار متر مكعب مع نهاية العام، وإنتاج أزيد من 1.8 مليار متر مكعب من المياه المحلاة سنوياً بحلول 2031.
السدود: تعزيز القدرة التخزينية إلى 24 مليار متر مكعب
تعتبر السدود الركيزة الأساسية لتعبئة المياه السطحية في المغرب. ووفقاً لمشروع قانون المالية 2027، ستتواصل أشغال بناء 14 سداً كبيراً، بهدف رفع الطاقة الاستيعابية الوطنية إلى ما يتجاوز 24 مليار متر مكعب بنهاية 2027. كما سيتم إطلاق بناء سد كبير جديد ورفع علو سد آخر، مما سيساهم في زيادة قدرة تجميع المياه السطحية. ومنذ انطلاق البرنامج الوطني للماء الصالح للشرب والسقي 2020-2027، تم إنجاز ثمانية سدود كبرى بقدرة إضافية تبلغ 1.89 مليار متر مكعب، من بينها سدود قدوسة وتيداس وتودغا وأكدز وفاسك وكودية برنة ومداز والريس. بالإضافة إلى ذلك، تم الشروع في ملء خمسة سدود كبرى بشكل استباقي بقدرة إجمالية تبلغ 746 مليون متر مكعب، وهي سد ساقية الحمراء بالعيون، وآيت زياد بالحوز، وسيدي عبو بتاونات، وبني عزيز بالدريوش، وتامري بأكادير. وعلى مستوى السدود الصغيرة والتلية، يستمر البرنامج في إنجاز 155 سداً، منها 24 منجزاً و32 قيد التنفيذ، بهدف تعزيز التزويد المحلي ودعم الأنشطة الفلاحية.
تحلية مياه البحر: نحو إنتاج 1.8 مليار متر مكعب سنوياً
يمثل تحلية مياه البحر الركيزة الثانية في استراتيجية الأمن المائي. بعد إنجاز محطات أكادير والجرف وآسفي، يستعد المغرب لدخول مرحلة جديدة في 2027. وتشمل الأولويات المباشرة تشغيل محطة الداخلة، وتوسعة محطة آسفي لتزويد مراكش، ودخول المرحلة الأولى من محطة الدار البيضاء الكبرى حيز الاستغلال. وتهدف هذه المشاريع إلى تأمين مياه الشرب للمدن الكبرى وتقليل الاعتماد على الموارد التقليدية. وعلى المدى المتوسط، يخطط الحكومة لإطلاق جيل جديد من محطات التحلية التي تعمل بالطاقات المتجددة في جهات الشرق وسوس ماسة وطنجة وكلميم-تان تان والرباط، مع برمجة تشغيلها بين 2029 و2030. ويطمح المغرب إلى رفع قدرة إنتاج المياه المحلاة إلى أكثر من 1.8 مليار متر مكعب سنوياً بحلول 2031، مما سيغطي حوالي 60% من احتياجات مياه الشرب. كما يسعى إلى تطوير صناعة وطنية في مجال التحلية، مع إشراك أكبر للشركات المغربية وتكوين الكفاءات المتخصصة.
الطرق المائية: ربط الأحواض لتعزيز التضامن المائي
تعتبر الطرق المائية (autoroutes de l’eau) من الحلول المبتكرة لمواجهة التفاوت في توزيع الموارد المائية بين المناطق. فبعد تشغيل الشطر الأول من تحويل مياه سبو نحو بورقراق بقدرة 15 متراً مكعباً في الثانية، والذي يساهم في تأمين محور الرباط-الدار البيضاء، تم إنجاز الربط بين سد واد مخازن وسد دار خروفة بقدرة 3.2 متر مكعب في الثانية لتأمين تزويد طنجة. وفي 2027، تعتزم الحكومة مواصلة التحضير لمشروع ربط أحواض سبو وبورقراق وأم الربيع، مع مراعاة توفر الموارد والحفاظ على التوازنات المائية. وتهدف هذه المشاريع إلى تعزيز التضامن المائي بين الجهات والحد من مخاطر انقطاع التزويد.
السقي وإعادة استخدام المياه العادمة: تحسين الفعالية وتخفيف الضغط
يولي مشروع قانون المالية 2027 أهمية كبيرة للتحكم في الطلب على المياه، خاصة في القطاع الفلاحي. وستتواصل جهود تحديث شبكات السقي وإعادة تأهيل القنوات وتحويل المساحات الزراعية إلى تقنيات السقي الموضعي، بهدف تقليل الفاقد وتحسين كفاءة استخدام المياه. كما سيتم تطوير استخدام المياه المحلاة في الفلاحة، لا سيما في مشروع الداخلة الذي سيسقي 5000 هكتار، مع إمكانية إبرام شراكات بين القطاعين العام والخاص لتزويد المناطق الفلاحية بالمياه المحلاة في سيدي رحال وملوية. وبالإضافة إلى ذلك، سيتم تسريع مشاريع إعادة استخدام المياه العادمة المعالجة، خاصة لسقي المساحات الخضراء وملاعب الغولف، مما يتيح توفير المياه التقليدية للاستخدامات ذات الأولوية. وتستهدف الحكومة تحقيق مردودية وطنية بنسبة 78% لشبكات توزيع الماء الصالح للشرب بحلول 2027، عبر تقليل التسربات وتحسين البنيات التحتية.
حماية الفرشات الجوفية وتعزيز المراقبة
تعتبر حماية الفرشات الجوفية محوراً أساسياً في استراتيجية الماء. وتعتزم الحكومة تعميم عقود التدبير التشاركي لضبط عمليات السحب والحد من الاستغلال المفرط. وقد تم التوقيع على خمسة عقود تخص فرشات الحوز-مجاط، والرمل، ومسكي-بودنيب، وفجيج، وفاس-مكناس، مع التخطيط لتوقيع ثلاثة عقود أخرى لفرشات تريفة والداخلة وبرشيد، و16 عقداً قيد الإعداد. كما سيتم تعزيز مراقبة الكميات المسحوبة ووضع قواعد أكثر صرامة للاستغلال وتطوير حلول إعادة تغذية الفرشات. وفي المناطق الرعوية، سيتم إنجاز حوالي 1000 نقطة ماء جديدة لدعم أنشطة تربية الماشية. وفيما يتعلق بجودة المياه والوقاية من الفيضانات، سيتم تحديث نظام المراقبة الوطنية باستخدام أجهزة ذكية للرصد في الوقت الفعلي، وتحديث المخطط الوطني للتنبؤ بالفيضانات، مع مواصلة تنفيذ المخطط الوطني لمكافحة الفيضانات.
بهذه المشاريع الطموحة، ينتقل المغرب من نموذج تقليدي يركز على تعبئة الموارد المائية إلى نظام متكامل يجمع بين التخزين والتحلية والتحويلات وإعادة الاستخدام وترشيد الاستهلاك. ويبقى التحدي الأكبر في 2027 هو تسريع وتيرة الإنجاز وضمان تدبير مستدام ومنصف للموارد المائية. للمزيد من الأخبار الاقتصادية والتحليلات، تابعوا الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب. ولمعرفة المزيد عن تقنيات تحلية المياه، يمكنكم زيارة صفحة تحلية مياه البحر على ويكيبيديا.
التعليقات (0)
اترك تعليقك