في سياق التزامها الراسخ بتعزيز دعائم الدولة الاجتماعية، تواصل الحكومة المغربية جهودها الحثيثة لترسيخ البعد الاجتماعي كخيار استراتيجي لا رجعة فيه. هذا التوجه، الذي يأتي تنفيذاً للتوجيهات الملكية السامية، يتجلى بوضوح في مشروع قانون المالية لسنة 2026، والذي يحمل في طياته حزمة غير مسبوقة من الإجراءات والمخصصات المالية الهادفة إلى تحقيق العدالة الاجتماعية وتحسين ظروف عيش المواطنين. إن استعراض هذه المبادرات يكشف عن تأثير الدعم الاجتماعي المباشر على الاقتصاد الوطني بشكل ملموس، من خلال تحفيز قطاعات حيوية ودعم القدرة الشرائية للأسر.
الوزير المنتدب المكلف بالعلاقات مع البرلمان والناطق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى بايتاس، أكد في ندوة صحافية، أن “النفس الاجتماعي” حاضر بقوة في صلب قانون المالية الجديد، معرباً عن تصميم الحكومة على مواصلة مسار الإصلاحات الاجتماعية الكبرى التي بدأت في عهدها.
البعد الاجتماعي: ركيزة أساسية في قانون المالية 2026
يُعد البعد الاجتماعي محوراً مركزياً في السياسات الحكومية الحالية، إذ يطمح مشروع قانون المالية 2026 إلى ترسيخ هذا البعد كأولوية استراتيجية. وقد خصصت الحكومة موارد مالية ضخمة لقطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم، حيث بلغت ميزانيتهما المشتركة حوالي 140 مليار درهم. هذا الرقم يُمثل ما يقارب ضعف ما كان مخصصاً للقطاعين قبل سنة 2021، ويُظهر التزاماً حكومياً غير مسبوق بتحسين جودة الخدمات العمومية وتوسيع نطاقها، وهو ما ينعكس إيجاباً على التنمية البشرية ويُعد محركاً أساسياً للنمو الاقتصادي المستدام.
الحماية الاجتماعية: دعم معيشة المواطنين وتعزيز القدرة الشرائية
تُشكل الحماية الاجتماعية ركيزة أساسية في “ورش الدولة الاجتماعية”. وقد عبأت الحكومة إمكانيات مالية هائلة لمواكبة هذا الورش، بشقيه المتعلقين بالدعم المباشر والتغطية الصحية. فقد خصص قانون مالية 2026 نحو 41.5 مليار درهم لهذا الغرض. ولم تقتصر الجهود على ذلك، بل بلغت اعتمادات صندوق المقاصة حوالي 105 مليارات درهم خلال الفترة 2022-2025، وسترتفع إلى 14 مليار درهم في السنة المقبلة، بهدف الحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين في مواجهة التقلبات الاقتصادية.
كما استعرض بايتاس معطيات هامة أخرى تُبرز حجم الدعم الحكومي، منها:
- دعم المكتب الوطني للكهرباء الذي بلغ 17 مليار درهم خلال الفترة نفسها، لضمان استقرار أسعار الفواتير.
- تخفيضات الضريبة على الدخل التي ناهزت 8.5 مليارات درهم، مما يُعزز الدخل المتاح للأفراد.
- مكتسبات الحوار الاجتماعي التي ستتجاوز كلفتها الإجمالية 49 مليار درهم في أفق 2027، وتُساهم في تحسين أوضاع الأجراء.
برنامج دعم الكسابة: ركيزة أساسية لإعادة تشكيل القطيع الوطني وتأثير الدعم الاجتماعي المباشر على الاقتصاد الوطني
يُعتبر القطاع الفلاحي عصب الاقتصاد الوطني، ولهذا أولت الحكومة اهتماماً خاصاً لدعمه. فقد رُصد له دعم إجمالي يناهز 20 مليار درهم، منها 12.8 مليار درهم موجهة خصيصاً لدعم “الكسابة” (مربي الماشية). هذا الدعم يأتي لمواجهة تكاليف الأعلاف الباهظة وللحفاظ على إناث الأغنام والماعز، ضمن استراتيجية وطنية كبرى تهدف إلى إعادة تشكيل القطيع الوطني الذي تضرر بفعل العوامل المناخية والاقتصادية.
وفي تفاعل مع سؤال إعلامي، أوضح الوزير أن هذا الدعم يُعد غير مسبوق، حيث يتم لأول مرة اعتماد دعم مالي مباشر يوجه مباشرة إلى المستفيدين، بدلاً من الآليات التقليدية. وبحسب الأرقام، فقد انطلقت عملية صرف الدعم في بداية شهر نونبر، حيث تمكن 580 ألف مربٍ من الحصول على ما يناهز 2.42 مليار درهم، أي ما يعادل 48% من مجموع الكسابة المحصيين، على أن تستمر العملية لتشمل جميع المعنيين عبر المملكة. يُقسم الغلاف المالي الإجمالي للبرنامج (12.8 مليار درهم) على شطرين، يهدف الشطر الأول (6 مليارات درهم) إلى:
- تقديم دعم مالي مباشر لمربي الماشية لاقتناء الأعلاف.
- دعم الحفاظ على إناث الأغنام والماعز الموجهة للتوالد.
- التخفيف من ديون مربي الماشية بالتعاون مع مؤسسة القرض الفلاحي.
- تنظيم حملات تلقيح وتأطير تقني لتحسين الإنتاج وحماية القطيع.
تُظهر هذه الإجراءات كيف أن تأثير الدعم الاجتماعي المباشر على الاقتصاد الوطني يتجاوز مجرد الإغاثة الفردية، ليُساهم في استقرار سلاسل الإنتاج الغذائي وحماية قطاع حيوي.
للمزيد من الأخبار والتحليلات حول السياسات الاقتصادية والاجتماعية في المغرب، زوروا موقع الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
فرص الشغل والتعويضات العائلية: تعزيز الرفاه الاجتماعي
لم يغفل قانون المالية 2026 جانب خلق فرص الشغل وتعزيز الدعم الموجه للأسر. حيث سيبلغ عدد مناصب الشغل في القطاع العام حوالي 26 ألف منصب في سنة 2026، منها 20 ألفاً مخصصة لقطاع التعليم. هذا الارتفاع الملحوظ مقارنة بالسنوات السابقة يُعزى إلى الاستراتيجيات الحكومية الجديدة لتقوية القطاعات الاجتماعية ذات الأولوية. كما أُعلن عن رفع التعويضات العائلية ابتداءً من سنة 2026، لتتراوح بين 200 و400 درهم للأطفال المتمدرسين، و150 إلى 200 درهم لغير المتمدرسين، مع رفع التعويضات الموجهة للأطفال اليتامى أو في وضعية إعاقة. هذه الإجراءات تُعزز الرفاه الاجتماعي وتُساهم في تقليص الفوارق.
في الختام، يُمكن القول إن قانون المالية 2026 يُمثل نقطة تحول في مسار بناء الدولة الاجتماعية، من خلال حزمة متكاملة من الإجراءات التي تُعزز الدعم المباشر، وتُحسن الخدمات العمومية، وتُحفز القطاعات الإنتاجية. إن الجهود المبذولة تُشير إلى فهم عميق لضرورة الموازنة بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، مع التركيز على تأثير الدعم الاجتماعي المباشر على الاقتصاد الوطني ككل. هذه السياسات تُعزز “الاقتصاد الاجتماعي” وتُساهم في بناء مجتمع أكثر تضامناً وإنصافاً. للمزيد من المعلومات حول مفهوم الاقتصاد الاجتماعي، يمكنكم زيارة صفحة الاقتصاد الاجتماعي على ويكيبيديا.
التعليقات (0)
اترك تعليقك