لم يعد الحديث عن استضافة المغرب لكأس إفريقيا للأمم مجرد نقاش رياضي عابر، بل أصبح موضوعًا ذا أبعاد وطنية، تنظيمية، وسيادية، يعكس موقع البلاد في القارة الإفريقية وقدرتها على إنجاح التظاهرات الكبرى. فالمغرب، من خلال هذا الحدث القاري، لا يراهن فقط على كرة القدم، بل يراهن على صورة دولة قادرة على التخطيط، التنفيذ، واحترام المعايير الدولية في التنظيم.
منذ الإعلان عن احتضان المغرب لكأس إفريقيا، بدا واضحًا أن الاستعدادات تسير وفق رؤية شاملة لا تقتصر على الملاعب وحدها، بل تشمل البنية التحتية، النقل، الخدمات، الأمن، والاستقبال. وهو ما يؤكد أن المملكة راكمت تجربة معتبرة في تنظيم التظاهرات الكبرى، سواء الرياضية أو الدولية، وأنها أصبحت فاعلًا موثوقًا في هذا المجال على مستوى القارة.
التنظيم المحكم الذي يرافق هذه التظاهرة يعكس عقلية تدبير حديثة، تقوم على التنسيق بين مختلف المتدخلين، وعلى الاستثمار في الموارد البشرية واللوجستية، مع الحرص على احترام الزمن والمعايير التقنية المطلوبة. كما أن تحديث الملاعب وتطوير الفضاءات الحضرية المحيطة بها يعكس إرادة واضحة لترك أثر مستدام يتجاوز زمن البطولة.
ولا يمكن فصل نجاح التنظيم عن البعد الأمني، حيث يبرز المغرب مرة أخرى كنموذج في تأمين التظاهرات الكبرى دون المساس بسلاسة الحركة أو بأجواء الاحتفال. هذا التوازن بين الأمن والانفتاح يشكل عنصرًا أساسيًا في كسب ثقة المنتخبات، الوفود، والجماهير القادمة من مختلف الدول الإفريقية.
إلى جانب ذلك، تشكل كأس إفريقيا فرصة لإبراز العمق الإفريقي للمغرب، وتعزيز الروابط مع الشعوب الإفريقية عبر الرياضة، باعتبارها لغة مشتركة تتجاوز الحدود والسياسات. فالمغرب لا ينظم بطولة فحسب، بل يفتح أبوابه لقارة كاملة، في مشهد يعكس قيم التضامن والانتماء المشترك.
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يقتصر على نجاح البطولة من الناحية التنظيمية، بل على استثمار هذا النجاح في ترسيخ صورة المغرب كوجهة قارية ودولية قادرة على احتضان أكبر الأحداث. فحين يكون التنظيم محكمًا، يصبح الحدث رسالة، وتتحول الرياضة إلى قوة ناعمة تعزز مكانة الدول بين الأمم.
وفي هذا السياق، تبدو كأس إفريقيا بالمغرب أكثر من مجرد منافسة كروية، إنها لحظة تأكيد على أن المغرب اختار أن يكون في قلب إفريقيا، لا فقط جغرافيًا، بل تنظيميًا وحضاريًا، وأنه قادر على رفع سقف التحدي وتحويله إلى نجاح جماعي يليق بالقارة وبطموحات شعوبها.
التعليقات (0)
اترك تعليقك