في خطوة علمية رائدة تُعيد رسم خرائط التاريخ القديم، تتكشف اكتشافات أثرية تربط المغرب وجزر الكناري والعالم القديم، مقدمةً رؤى جديدة حول التفاعلات الحضارية التي شكلت حوض المتوسط والمحيط الأطلسي. هذه البحوث، التي يقودها الباحث الألماني في الآثار التجريبية والتاريخ البحري القديم، دومينيك غورليتس، تُلقي الضوء على شبكة معقدة من الروابط بين مناطق بعيدة مثل بلاد الرافدين، ومصر، وشمال إفريقيا، والجزر الأطلسية، وصولاً إلى احتمالات الاتصال بالقارة الأمريكية قبل عصور يُعتقد أنها شهدت أولى الرحلات البحرية الكبرى.
فك شفرات التاريخ: منهجيَّة البحث ونتائجها الأولية
يُعد مشروع غورليتس البحثي عابرًا للتخصصات، حيث يدمج مقاربات تأريخية متقدمة لفك شفرات الزمن. يعتمد الباحث على تقنيات حديثة مثل التأريخ باللمعان الضوئي المحفَّز، والتحليل القائم على علم الفلك الأثري، ودراسات الفن الصخري المنتشر في المنطقة. الهدف الأساسي لهذه المنهجية المتكاملة هو إعادة تقييم الترتيب الزمني للأهرامات المتدرجة في جزر الكناري، وتحديد أصول شعب الغوانش، السكان الأصليين لهذه الجزر، ضمن سياق أطلسي-متوسطي أوسع.
وأشار غورليتس في لقاء علمي نظمته كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، ومركز الإنسان والمجتمع، إلى أن مشروعه يهدف إلى دمج تاريخ استيطان جزر الكناري في إطار أوسع يربط المجالين الأطلسي والمتوسطي. ويُولي اهتمامًا خاصًا لـ البقايا الأثرية الغامضة في المغرب، والتي تُشير بقوة إلى احتمالية وجود صلات ثقافية عميقة بين شمال إفريقيا والعالم الجزري الأطلسي. هذه الروابط تدفعنا لإعادة تقييم تاريخ الملاحة المبكرة والتفاعلات الثقافية المعقدة في المنطقة الحدودية بين أوروبا وإفريقيا والمحيط الأطلسي، بالإضافة إلى مسارات الاستيطان والاتصال البحري في عصور ما قبل التاريخ، وهو ما يثري فهمنا لـ اكتشافات أثرية تربط المغرب وجزر الكناري والعالم القديم.
الأهرامات المتدرجة: إرث معماري عابر للقارات
تُشكل الأهرامات المتدرجة محورًا رئيسيًا في بحث غورليتس. هذا الطراز المعماري الفريد، الذي بدأ في بلاد الرافدين القديمة، انتشر منها إلى أنحاء واسعة من العالم القديم. فقد وجد الباحثون أصولًا من بلاد الرافدين في ثقافة النقادة بصعيد مصر، حيث تأثرت بنايات الزقورات، وهي معابد مرتفعة، بتصميم الأهرامات المتدرجة. ومن هناك، انتقل هذا التصميم المعماري عبر لبنان إلى صقلية، وسردينيا، وجزر البليار، وجبل طارق، ثم إلى المغرب وجزر الكناري، وحتى ربما وصل إلى القارة الأمريكية.
من خلال عينات أُخذت من 21 موقعًا أثريًا، قدم غورليتس إجابات أولية حول عمر هذه البنايات المدرجة. أظهرت التحليلات أن عمر الأهرامات المدروسة يتراوح بين 3000 و 5200 سنة قبل الميلاد. ورغم أن النتائج لا تزال قيد البحث، إلا أنها تُشير بقوة إلى أن عمرها لا يقل عن 1000 إلى 3000 سنة قبل الميلاد. هذه الاكتشافات تُغير مفهومنا للتاريخ، حيث تُثبت أن الإسبان أو الأوروبيين الأوائل لم يكونوا أول من استخدم هذه الأشكال في البناء، بل تُشير إلى تقارب أو تقاطع ثقافي بين المجتمعات على الشريط المتوسطي، وتُعزز النظرية التي تربط هذه البنايات بمجتمع ثقافة النقادة في مصر.
تفاعلات ما قبل التاريخ: التبغ والنيكوتين في العالم القديم
أحد الجوانب الأكثر إثارة للجدل في هذا البحث هو التطلعات حول استعمالات مواد مثل النيكوتين والمواد المخدرة في العالم القديم. ففي شمال إفريقيا، أثبتت نتائج فحوصات على 3000 مومياء مصرية وجود آثار للنيكوتين ونسب عالية من مواد مخدرة، منها الكوكايين. ما يعني أن النيكوتين، الذي يُعتقد أن مصدره أمريكا الجنوبية حصريًا، قد وصل إلى العالم القديم عبر مسارات لم تُفهم بعد بشكل كامل، مما يُشير إلى احتمالات الاتصال المبكر بين العالمين القديم والجديد. هذا يفتح آفاقاً واسعة للبحث حول طرق التجارة والتبادل الثقافي في العصور السحيقة.
في المقابل، استعرض الباحث خلاصات وشهادات لعالم آثار ألماني حول آثار استعمال قبائل أمازيغية للتبغ قبل 5000 سنة، وكذلك القنب المدخن عبر أنابيب، والتي عُثر على بعضها في تنقيبات بمواقع رومانية في المغرب. هذه النتائج تُثير تساؤلات جدية حول أصول هذه المواد وتداولها، وتُعزز من اهتمام مجموعة كبيرة من العلماء بالقدوم إلى المغرب، والتعاون لإجابة أسئلة معقدة حول المسارات والتفاعلات المتوسطية والأطلسية في العالم القديم.
آفاق بحثية مستقبلية
تُعد هذه اكتشافات أثرية تربط المغرب وجزر الكناري والعالم القديم مجرد بداية. فاهتمام دومينيك غورليتس الأول بالموضوع كان ينبع من شغفه بمعرفة من كان أول من قطع المحيط الأطلسي، وقد تحدث عن منحوتة اكتشفها وزوجته تُظهر رسومات لمصريين قدامى لسفينة بها ما يُشبه أداة توجيه السفن ووظيفة حماية جوانب السفينة، مما يُشير إلى تطور الملاحة في تلك الحقبة. هذا البحث يدعو إلى مزيد من التنقيب والتحليل، خاصة في المغرب وجزر الكناري، لتكوين صورة أوضح عن هذه الحقب الزمنية الغامضة.
إن استمرار هذا النوع من الأبحاث التعاونية الدولية يُمكن أن يُغير بشكل جذري فهمنا لتاريخ البشرية، ويكشف عن شبكات حضارية أوسع وأقدم مما كنا نتصور. لمعرفة المزيد من التغطيات الإخبارية المماثلة، يمكنكم زيارة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك