عاجل

المؤرخ عمراني يكشف: تداعيات ظاهرة ادعاء النسب الشريف في المغرب ودورها في تشكيل المجتمع والدولة

المؤرخ عمراني يكشف: تداعيات ظاهرة ادعاء النسب الشريف في المغرب ودورها في تشكيل المجتمع والدولة

في خضم اهتمام البحث التاريخي المعاصر بالظواهر الاجتماعية العميقة، يبرز الإصدار الجديد للمؤرخ والباحث المغربي محمد عمراني، الذي صدر عن دار القلم بالرباط، كإضافة نوعية للمكتبة التاريخية. يستعرض هذا الكتاب، الذي يمثل امتدادًا لأطروحته الجامعية، تداعيات ظاهرة ادعاء النسب الشريف في المغرب خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين، وتحديداً في العهد العلوي. لا يكتفي عمراني بسرد الوقائع، بل يغوص في التحليل العميق لهذه الظاهرة كسلوك اجتماعي متجذر، كاشفاً عن أبعادها المتعددة ومسلطاً الضوء على أثرها في تشكيل البنى الاجتماعية والسياسية للدولة المغربية آنذاك.

الأبعاد التاريخية والاجتماعية لادعاء النسب الشريف

لطالما كان النسب، وخصوصاً النسب الشريف، يحمل في طياته مكانة رمزية ومادية خاصة في المجتمعات الإسلامية. يتناول كتاب عمراني كيف تحولت الرغبة في امتلاك هذا النسب إلى ظاهرة واسعة النطاق، دفعت بفئات عريضة من المجتمع إلى البحث عن طرق مختلفة لإثبات انتمائها، حتى لو تطلب الأمر تزوير الوثائق والأدلة. لم يكن الأمر مجرد سعي فردي، بل تحول إلى آفة اجتماعية مزمنة أثرت على نسيج المجتمع بأسره، رغم الجهود المضنية التي بذلتها السلطة المركزية، ممثلة في عدد من السلاطين العلويين كالمولى إسماعيل وسيدي محمد بن عبد الله والمولى سليمان، للحد من انتشارها.

تتمثل جوهر هذه الظاهرة في أن ادعاء النسب الشريف لم يكن مجرد رغبة في الإثبات أو الدفاع عن الانتماء، بل كان يسعى لتحقيق مكاسب تتجاوز الجانب الرمزي. لقد كان غالباً ما يمثل سعياً لاكتساب:

  • شرعية دينية أو سياسية: تمنح الفرد أو الأسرة نفوذاً في الأوساط الدينية والقبلية.
  • ترقٍ اجتماعي: يفتح أبواب الامتيازات المادية والمعنوية، كالإعفاءات الضريبية أو المناصب.
  • حصانة قانونية: توفر نوعاً من الحماية من العقوبات أو الإجراءات القانونية.

ويشير المؤرخ إلى أن هذه الممارسات لم تكن مقتصرة على حقبة بعينها، بل ظلت تحافظ على حضورها في الوعي والسلوك الاجتماعي، حيث تتجلى بين الفينة والأخرى في الواقع المعاصر، كما حدث في سنة 2015 عند الكشف عن شبكة متخصصة في تزوير بطاقات الشرفاء، مما استدعى تدخلاً مشتركاً من وزارتي العدل والداخلية لتجريم هذه الأفعال.

الدولة العلوية وتحدي ضبط الأنساب

لقد تتبع الباحث محمد عمراني مسار الظاهرة في العهد العلوي، مركّزاً على الفترة التي شهدت تأرجحاً بين توسعها وانحسارها، والتي كانت مرتبطة بشكل وثيق بقوة السلطة المركزية وقدرتها على فرض الرقابة على الأنساب عبر مؤسسة النقابة. لقد ارتبطت الدولة العلوية بسياسة منح الامتيازات المادية والمعنوية للشرفاء، ليس فقط لرعاية آل البيت، ولكن أيضاً كأداة سياسية لاحتواء نفوذهم وضمان ولائهم. ورغم أن هذه السياسة حققت مكاسب للدولة، إلا أنها كانت في الوقت ذاته عاملاً أساسياً في تشجيع فئات واسعة من المغاربة على ادعاء النسب الشريف، مما أدى إلى آثار سلبية على الدولة نفسها وعلى الشرفاء الأصليين والمجتمع ككل.

لقد تغلغلت حركة ادعاء النسب الشريف بشكل خاص في مدينتي فاس والطرف الشمالي الغربي من البلاد، وهما المنطقتان اللتان احتضنتا أكبر التجمعات الإدريسية. هذه الظاهرة لم تكن حصرية للمغرب، فأصولها موغلة في القدم في بنية المجتمعات العربية والإسلامية، حيث قدم ابن خلدون في مقدمته تفسيراً يربطها بنظرية العصبية، موضحاً كيف كانت القبائل الأقوى تدفع الأفراد إلى انتحال نسبها للحصول على الحماية والمكانة. ولكن ابن خلدون أكد أن الدخيل سيظل «لصيقاً» في نسب الغير، مهما طال الزمن.

تداعيات ظاهرة ادعاء النسب الشريف على بناء الدولة الحديثة

يقدم المؤرخ عمراني مقارنة لافتة بين ظاهرة الامتيازات المرتبطة بالنسب في المغرب، وطبقة النبلاء في السياق الأوروبي. فبينما أدت الثورة الفرنسية عام 1789 إلى سحب الامتيازات من النبلاء، محوّلة إياهم إلى مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، استمرت هذه الامتيازات في المغرب قائمة ومبررة من وجهة نظر دينية وسياسية. هذا التباين خلق تحدياً مستمراً في مسار بناء الدولة الحديثة في المغرب، حيث رأى البعض أن هذه الامتيازات تتعارض مع مبدأ المساواة في الإسلام وتحدث تمييزاً بين الشرفاء وعامة الناس.

يختتم الكتاب بتحليل عميق لتأثير هذه الظاهرة على مفهوم المواطنة والمساواة، مؤكداً أن الفهم الشامل لتاريخ المغرب لا يكتمل إلا بالوقوف على تفاصيل مثل هذه الظواهر الاجتماعية المعقدة التي شكلت ملامح الدولة والمجتمع. يمثل كتاب المؤرخ محمد عمراني إضافة قيمة تفتح آفاقاً جديدة للبحث والنقاش حول تاريخنا الاجتماعي والسياسي، ويدعو إلى إعادة التفكير في العديد من المسلمات التاريخية.

لمزيد من المقالات والتحليلات المتعمقة حول تاريخ المغرب وقضاياه الراهنة، يمكنكم زيارة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.

التعليقات (0)

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.