مع حلول شهر رمضان المبارك، تتجدد في المغرب ظاهرة تتجاوز كونها مجرد سلوك فردي لتصبح تحديًا اجتماعيًا واقتصاديًا معقدًا: تفاقم ظاهرة التسول في رمضان بالمغرب. هذا الشهر، الذي يُعرف بقيمه الروحانية والعطاء، يتحول للأسف إلى فرصة موسمية يستغلها البعض، مما يضع المجتمع أمام مفترق طرق بين الرغبة في التضامن والإحسان وبين الشعور بالإحراج والضيق من تزايد أعداد المتسولين.
تنتشر مظاهر التسول بشكل لافت في الفضاءات العمومية، لا سيما حول المساجد والأسواق المزدحمة ومحلات تجارة القرب، حيث يتقاطع الرواج التجاري مع تزايد مشاعر التعاطف والإحسان لدى المواطنين. هذا التداخل يخلق بيئة خصبة لازدهار هذه الظاهرة، مما يدفعنا إلى استكشاف الأبعاد المتعددة لهذه المعضلة.
الأبعاد السوسيواقتصادية لتفاقم ظاهرة التسول في رمضان بالمغرب
إن تفاقم ظاهرة التسول في رمضان بالمغرب ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج تداخل معقد لعوامل اقتصادية واجتماعية ونفسية. يؤكد أخصائيون أن البعد الديني في هذا الشهر يلعب دورًا محوريًا في تعزيز الاستعداد النفسي لدى الأفراد للعطاء. هذا التحفيز الرمزي يخلق ما يمكن وصفه بـ “الفرصة الموسمية للتسول”، حيث يتحول السلوك الإحساني إلى محرك أساسي لزيادة أعداد المتسولين الذين يسعون للاستفادة من هذه الروحانية.
يتجاوز الأمر في كثير من الأحيان مجرد الحاجة المادية، ليصبح خيارًا عقلانيًا للبعض، حيث قد يدر التسول دخلًا يفوق ما توفره بعض قطاعات العمل، سواء المهيكلة أو غير المهيكلة. هذا الواقع يفرض ضرورة التمييز الدقيق بين ضحايا الفقر البنيوي الحقيقيين الذين تدفعهم الظروف القاهرة، وبين المحترفين الذين يستغلون الشفقة الاجتماعية لتحقيق مكاسب سهلة. كما تشير بعض الآراء إلى وجود شبكات منظمة تقف وراء هذه الظاهرة، محولة إياها من فقر عفوي إلى احتراف ممنهج.
إحصائيات مقلقة وتحديات أمنية
تعكس الأرقام حجم التحدي الذي تواجهه السلطات. فخلال الأشهر الثمانية الأولى من العام الماضي، عالجت المصالح الأمنية في المملكة ما مجموعه 34,312 قضية تتعلق بالتسول، وأوقفت بموجبها 39,143 شخصًا. هذه الأرقام تشمل فئات متنوعة، مثل 1,092 قاصرًا، و10,810 نساء، بالإضافة إلى 1,816 شخصًا يحملون جنسيات أجنبية مختلفة. هذه المعطيات تؤكد على الطبيعة المتشعبة للظاهرة وضرورة مقاربة أمنية وقائية في نفس الوقت.
ومع ذلك، يرى الخبراء أن المقاربة الأمنية وحدها تظل محدودة في التصدي لهذه الظاهرة بشكل فعال، حيث يتطلب الأمر حلولًا أعمق وأكثر شمولية تتجاوز مجرد التوقيفات. فالتسول (اقرأ المزيد عن التسول على ويكيبيديا) غالبًا ما يكون مؤشرًا على مشكلات اجتماعية واقتصادية أعمق تحتاج إلى معالجة جذرية.
نحو مقاربة شاملة: بين الحماية الاجتماعية وتعزيز الوعي
لمواجهة هذا التحدي المعقد، يتطلب الأمر تبني مقاربة شاملة ومتعددة الأبعاد تركز على ما يلي:
- تعزيز برامج الحماية الاجتماعية: توفير شبكات أمان اجتماعي للفئات الأكثر هشاشة لمنعهم من الانزلاق نحو التسول بسبب الفاقة الحقيقية.
- التوعية السلوكية والمجتمعية: ضرورة إعادة تشكيل تمثلات المجتمع حول الفرق بين الإحسان المنظم الذي يحفظ الكرامة ويصل لمستحقيه، وبين تشجيع الاتكالية والتسول الاحترافي. يمكن للمواطنين توجيه صدقاتهم لمن يعرفونهم حق المعرفة من الأقارب والجيران المحتاجين، أو عبر الجمعيات الخيرية الموثوقة.
- تفعيل القانون بحزم: تطبيق العقوبات الرادعة ضد شبكات التسول المنظم والمتسولين المحترفين الذين يستغلون الأطفال والضعفاء.
- تحديد الهوية والتشخيص: قيام السلطات المحلية والفرق الأمنية بعمليات دورية لتشخيص وضعيات المتسولين والتأكد من هوياتهم وظروفهم، للتمييز بين الحاجة الحقيقية والاحتراف.
- دعم المبادرات التنموية: التركيز على برامج الإدماج الاقتصادي والاجتماعي التي توفر فرص عمل وتأهيل للفئات القادرة على العمل، لانتشالهم من دائرة التسول.
يعد هذا النقاش حول تفاقم ظاهرة التسول في رمضان بالمغرب فرصة لتجديد الالتزام بقيم التضامن الإنساني، مع الأخذ في الاعتبار أهمية معالجة الأسباب الجذرية لهذه الظاهرة بطرق مستدامة تحفظ كرامة الفرد والمجتمع. يتطلب الأمر تضافر جهود الجميع، من سلطات ومجتمع مدني ومواطنين، لبناء مجتمع أكثر عدلاً وتكافؤًا. للمزيد من التحليلات المعمقة حول القضايا الاجتماعية، تابعوا الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك