يُعد الاكتظاظ المدرسي من أبرز التحديات التي تواجه المنظومة التعليمية في العديد من الدول النامية، والمغرب ليس استثناءً. فمع تنامي أعداد التلاميذ وتوفر البنية التحتية، غالباً ما تتجاوز الفصول الدراسية طاقتها الاستيعابية، مما يؤثر سلباً على جودة التعلم والتحصيل الدراسي. وفي هذا السياق، جاءت دراسة علمية مغربية حديثة لتُلقي الضوء على هذه الأزمة، وتقدم حلولاً ملموسة لـ تقليص الاكتظاظ المدرسي وتحسين نتائج بيزا في المغرب.
نُشرت هذه الدراسة الرائدة في المجلة الدولية للتطوير التربوي (International Journal of Educational Development)، وتُشكل إضافة نوعية للنقاش الدائر حول إصلاح التعليم. وقد أوصى الباحثان المغربيان، يونس لغديري ونوال الوزاني تهامي، من مختبر أبحاث الحكامة والمعلومات والإدارة (LARMIG) بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، بأن العدد الأمثل للتلاميذ في الفصل الواحد يجب ألا يتجاوز 23 إلى 24 تلميذاً لضمان فعالية التعلمات وفق المعايير الدولية. هذا الرقم يتناقض بشكل صارخ مع المعدل الوطني الحالي الذي يقترب من 37 تلميذاً في الفصل، مما يشير إلى ضرورة خفض جذري بنسبة تصل إلى 36 بالمائة.
تقليص الاكتظاظ المدرسي: استراتيجية لتحقيق قفزة نوعية في الأداء الأكاديمي
أكدت الدراسة، التي استندت إلى تحليل معمق لبيانات البرنامج الدولي لتقييم التلاميذ (PISA 2022) وشملت أكثر من 5900 تلميذ في 150 مؤسسة تعليمية مغربية، أن الانتقال نحو هذا الحجم المثالي للفصول الدراسية ليس مجرد تحسين بسيط، بل سيؤدي إلى قفزة نوعية في الأداء الدراسي الأكاديمي. فتقليص عدد التلاميذ إلى عتبة 23 تلميذاً من شأنه أن يُكسب المغرب ما بين 15 و25 نقطة إضافية في اختبارات بيزا في مواد أساسية كالرياضيات والعلوم والقراءة. هذا التحسن الجوهري يفوق بكثير النتائج التي يمكن تحقيقها من خلال التدخلات التعليمية التقليدية.
ولعل من أبرز النتائج التي تبرزها الدراسة هي أن الفئات الهشة والتلاميذ المنحدرين من أوساط سوسيو-اقتصادية ضعيفة هم المستفيدون الأكبر من تقليص حجم الفصول. وهذا يعكس أهمية هذه السياسة في تحقيق العدالة والإنصاف التعليمي، وتقليص الفوارق بين الطبقات الاجتماعية في الحصول على تعليم جيد.
الاستثمار في التعليم: كلفة قصيرة الأمد وعوائد استراتيجية طويلة الأمد
لم تغفل الدراسة الجانب الاقتصادي والتحديات الميزانياتية التي قد تترتب على اعتماد سياسة تقليص عدد التلاميذ. تشير التقديرات إلى أن الوصول إلى النموذج الأمثل سيتطلب زيادة في تكلفة التلميذ الواحد بنسبة تقارب 49.3 في المائة، لتغطية أجور المدرسين وتكاليف البنيات التحتية اللازمة. ومع ذلك، يؤكد الباحثان أن العائد على الاستثمار (ROI) لهذه الخطوة يصل إلى معامل 29.1، وهي نسبة تُصنف عالمياً كاستثمار “جيد جداً”، بل يتفوق على معظم المبادرات التعليمية في الدول النامية. وهذا يعني أن المكاسب طويلة الأمد في بناء الرأسمال البشري والنمو الاقتصادي ستُعوض بشكل كبير التكاليف المباشرة المرتفعة.
تُشدد التوصيات على ضرورة وضع “جودة التعلم” كأولوية قصوى، فوق أي اعتبارات لخفض التكاليف المباشرة. فمعالجة الفجوة بين الواقع الحالي (37 تلميذاً في الفصل) والطموح العلمي (23 تلميذاً) تُعد المفتاح الحقيقي لإخراج المنظومة التعليمية من أزمتها البنيوية وتحقيق الأهداف التنموية للمملكة.
منهجية البحث: دقة وموثوقية لنتائج قابلة للتطبيق
تميزت الدراسة بتطوير إطار منهجي مزدوج ومبتكر، يجمع بين تقنيات بحثية نادراً ما تلتقي في دراسة واحدة. فقد زاوَج الباحثان بين “التحسين المعياري متعدد المعايير” (Normative Multi-criteria Optimization) و”تصميم الانحدار المتقطع المضبب المحاكى” (Simulated FRDD). هذا التزاوج المنهجي يهدف إلى ضمان أعلى درجات الدقة والموثوقية في النتائج، واستنباط علاقات سببية حقيقية، لا مجرد ارتباطات وصفية.
- الشق الأول: تقدير دوال الأداء التعليمي والكلفة الاقتصادية. استخدم الباحثان تقنية “الشرائح التكعيبية الطبيعية” لتقدير دوال الأداء التعليمي في الرياضيات والعلوم والقراءة، مع التحكم الدقيق في المتغيرات السوسيو-اقتصادية. كما تم بناء دالة تكلفة اقتصادية مفصلة مستمدة من معايير الميزانية العامة المغربية. وقد سمح هذا الدمج بمحاكاة ثمانية سيناريوهات للسياسة التعليمية لاستخلاص الحجم الأمثل للفصول.
- الشق الثاني: التحقق السببي المستقل. لتعزيز موثوقية الخلاصات، وظفت الدراسة “تصميم الانحدار المتقطع المضبب” كأداة للتحقق السببي، مما مكن من تحديد ما أُطلق عليه “رواق الأداء العالي” (High-performance corridor) عند عتبة 23 إلى 26 تلميذاً. وقد أظهرت هذه الآلية أن التأثيرات المحلية المتوسطة للمعالجة (LATE) تظل إيجابية وقوية إحصائياً عند هذه العتبة، وتتحول إلى مؤشرات سلبية حادة بمجرد تجاوز حاجز الـ 30 تلميذاً.
لقد خضعت النتائج لاختبارات حساسية وتحليلات تجانس، وأثبتت أن هذا “الحجم المثالي” يظل ثابتاً بغض النظر عن المستوى السوسيو-اقتصادي للتلاميذ، مما يدعم بقوة اعتماد معيار وطني موحد. هذه المنهجية المبتكرة تُقدم أساساً علمياً متيناً لصناع القرار للتحرك نحو إصلاحات هيكلية تخدم مصلحة التعليم والمستقبل التنموي للمغرب.
وفي الختام، تُقدم هذه الدراسة خارطة طريق واضحة ومُدعمة بالبيانات العلمية، تؤكد أن تقليص الاكتظاظ المدرسي وتحسين نتائج بيزا في المغرب ليسا مجرد هدفين منفصلين، بل هما مترابطان بشكل وثيق. إن الاستثمار في تقليص حجم الفصول الدراسية هو استثمار في جودة التعلم، وفي مستقبل أجيال قادرة على تحقيق التنمية المستدامة للمملكة. ولا شك أن متابعة أخبار هذه التطورات أمر بالغ الأهمية، ويمكنكم البقاء على اطلاع دائم من خلال الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك