عاجل

المغرب: تحويل الإرث الديني إلى قوة جيوسياسية معاصرة في ظل تحديات الفضاء الرقمي

المغرب: تحويل الإرث الديني إلى قوة جيوسياسية معاصرة في ظل تحديات الفضاء الرقمي

لطالما تميزت المملكة المغربية بتاريخها العريق وثرائها الروحي، الذي يشكل ركيزة أساسية في هويتها. في السنوات الأخيرة، تحول هذا الإرث الديني الغني إلى أداة دبلوماسية فاعلة، تعرف باسم الدبلوماسية الدينية المغربية وتحديات العصر الرقمي. تقرير حديث أعدته مؤسسة “كونراد أديناوور ستيفتونغ” بالتعاون مع “مؤسسة الحوكمة والسيادة العالمية” يسلط الضوء على الدور المحوري الذي تلعبه هذه الدبلوماسية في تعزيز مكانة المغرب إقليمياً ودولياً.

يؤكد التقرير أن الدبلوماسية الدينية المغربية لا تقتصر على كونها مجرد مبادرة ثقافية، بل هي استثمار ذكي في رأس المال الرمزي. إنها تسعى إلى تقديم المملكة كحارس لـ”إسلام الوسطية” والفقه المالكي المعتدل، وذلك من خلال تحويل الأصول التاريخية مثل الطرق الصوفية العريقة والإرث العلمي والتعليمي لجامعة القرويين إلى أدوات جيوسياسية حديثة. هذا التوجه الشامل يفتح آفاقاً واسعة للتعاون، لا سيما في مجال تكوين الأئمة في إفريقيا وإبرام اتفاقيات مع الحكومات الأوروبية لترسيخ قيم المواطنة ومكافحة التطرف.

الأبعاد الاستراتيجية للدبلوماسية الدينية المغربية

تتمتع الدبلوماسية الدينية المغربية ببعد استراتيجي متعدد الأوجه يشمل القارة الإفريقية وأوروبا على حد سواء. في إفريقيا، تساهم هذه الدبلوماسية في بناء جسور التواصل والتعاون الروحي، من خلال برامج تكوين الأئمة التي تصدر نموذجاً إسلامياً معتدلاً يحارب الغلو والتطرف. أما في أوروبا، فإن التعاون مع الحكومات يهدف إلى تعزيز الاندماج الاجتماعي للجاليات المسلمة، وتوفير إطار ديني آمن يقي الشباب من الانجراف نحو الفكر المتطرف.

إن تميز المغرب بأصوله الدينية يمنحه ميزة تنافسية بين نظرائه في المنطقة الإسلامية. هذه المزايا، على الرغم من أهميتها، لا تزال غير معروفة بشكل كافٍ لدى الفئات الأساسية التي يسعى المغرب إلى تأطيرها دينياً. يشير التقرير بوضوح إلى أن شباب الجاليات المغاربية من الجيلين الثاني والثالث في أوروبا يمثلون الفئة المستهدفة بالتوجيه الديني المغربي، وهم الأكثر عرضة للتطرف عبر الإنترنت.

تحديات العصر الرقمي وسبل التكيف

يدرك المغرب جيداً هذا التحدي، وقد استثمر في محتوى ديني عالي الجودة عبر مبادرات مثل قناة السادسة التلفزيونية، التي تقدم محتوى موثوقاً ومؤسساتياً. ومع ذلك، فإن اليقظة الاستراتيجية تقتضي معالجة الفجوة بين نماذج البث التلفزيوني التقليدية وأنماط الاستهلاك الرقمي للجماهير المستهدفة، وخاصة شباب المهجر.

يكشف التقرير عن عدم التوافق بين أساليب التوزيع والتنسيق؛ فقناة السادسة تعمل وفق نموذج إعلامي تقليدي يعتمد على البرامج والجدولة والمحتوى المطول، بينما يفضل الشباب استهلاك المحتوى الديني عبر الخوارزميات ومقاطع الفيديو القصيرة على المنصات التفاعلية مثل يوتيوب وتيك توك. هذا يعني أن الشاب في بروكسل أو باريس سيبحث عن توجيه ديني على هذه المنصات بدلاً من مشاهدة بث تلفزيوني.

نحو استراتيجية تواصل رقمي فعالة

تتواصل المملكة المغربية بفعالية مع وزارات الداخلية الأوروبية بشأن برامج تكوين الأئمة، ومع الحكومات الإفريقية حول اتفاقيات التعاون الديني، ومع وسائل الإعلام الدولية بشأن مبادرات الحوار بين الأديان. غير أنها لم تطور بعد قدرة مماثلة للتواصل المباشر مع أفراد الجالية لشرح أهمية التقليد الإسلامي المغربي وما يهمهم منه بالتحديد.

إن المطلوب من المغرب، وفقاً للعمل البحثي، هو الاستثمار الجوهري في بنية سردية قادرة على جعل أصوله الدينية الفريدة مرئية وجذابة لجمهور رقمي النشأة. هذا لا يعني مجرد نشر المحتوى القائم على الإنترنت، بل يتطلب تطوير قدرات تواصلية جديدة بالكامل. فالمملكة تمتلك أصولاً دينية متميزة، ولكن بدون معالجة هذا العجز التواصلي، قد تظل هذه الأصول غير مرئية أو غير مؤثرة.

لتحقيق تأثير مجتمعي مباشر، خاصة في الأوساط الشبابية، يجب على الدبلوماسية الدينية المغربية أن تنتقل من منطق التعاون الحكومي الرسمي إلى منطق التأثير المجتمعي المباشر. الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في تصدير نموذج ديني معتدل، بل في جعله جزءاً من التجربة اليومية للشباب المنحدرين من أصول مغاربية، عبر أدوات تواصل رقمية تتفاعل مع أسئلتهم حول الهوية والانتماء والمواطنة.

توصيات لتعزيز التأثير الرقمي:

  • الشراكات الرقمية: الاستثمار في شراكات مع فاعلين رقميين ومؤثرين على منصات التواصل الاجتماعي.
  • المحتوى القصير والتفاعلي: تطوير محتوى ديني موجه للشباب، يكون قصيراً وتفاعلياً، ويُنتج بلغات أوروبية مختلفة لضمان وصول أوسع.
  • الاستماع والتفاعل: إنشاء قنوات تواصل تسمح بالاستماع إلى تساؤلات الشباب واهتماماتهم، وتقديم إجابات مدروسة ومبسطة.
  • نشر الفقه المالكي المعاصر: تسليط الضوء على مرونة الفقه المالكي وقدرته على التكيف مع قضايا العصر، وتقديمه كنموذج للاعتدال والوسطية.

هذه الخطوات الحاسمة قد تحول الرأسمال الرمزي الذي راكمته المملكة إلى قوة تأثير فعلية ومستدامة في الفضاء الأوروبي، مما يعزز من دور المغرب كفاعل ديني وجيوسياسي رئيسي. للمزيد من التحليلات حول قضايا المنطقة، يمكنكم زيارة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.

التعليقات (0)

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.