شهدت منظومة الجبايات المحلية بالمغرب تحركاً مهماً من قبل وزارة الداخلية، بهدف إرساء مبادئ العدالة والشفافية في تطبيق الرسم المفروض على الأراضي الحضرية غير المبنية، والمعروفة بـ “الأراضي العارية”. تأتي هذه الخطوة استجابةً لاختلالات وتفاوتات رصدتها الوزارة في طريقة تنزيل المقتضيات القانونية ذات الصلة، مما أثر على المكلفين وفعالية هذه الجباية. تهدف هذه المقالة إلى تسليط الضوء على أبرز تعليمات الداخلية بشأن الرسم على الأراضي الحضرية وتوضيح أبعادها.
خلفيات التدخل الوزاري: رصد الاختلالات وطلب التصحيح
كشفت المراسلات التي عممها وزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت، على ولاة الجهات وعمال الأقاليم والعمالات، عن وجود تباين كبير في ممارسات الجماعات الترابية بخصوص فرض الرسم على الأراضي الحضرية غير المبنية. هذا التباين لم يقتصر على تحديد السعر، بل امتد إلى مدى توفر الشروط القانونية لفرض الرسم أصلاً، مما أثار استياء العديد من المواطنين وفتح الباب أمام تفسيرات متباينة للقانون.
من أبرز هذه الاختلالات، قيام بعض الجماعات بفرض الرسم على أراضٍ مشمولة بتصاميم النمو، بينما ينص القانون بوضوح على أن تطبيقه يرتبط بالأراضي الواقعة داخل تصاميم التهيئة أو الدوائر الحضرية والمراكز المحددة بنصوص تنظيمية. هذه الممارسات غير الدقيقة أدت إلى تحميل مكلفين أعباءً جبائية لا سند قانوني لها، مما استدعى تدخلاً مركزياً لضمان توحيد وتطبيق القانون بشكل سليم.
تعليمات الداخلية بشأن الرسم على الأراضي الحضرية: دعائم التعديل والضبط
تضمنت مراسلة وزارة الداخلية حزمة من التعليمات الصارمة التي تستهدف ضبط وتوحيد تطبيق الرسم، مع التركيز على احترام القانون وتحقيق العدالة الجبائية. يمكن إيجاز هذه التعليمات في النقاط التالية:
- تشديد المراقبة: دعوة ولاة وعمال الأقاليم إلى تعزيز الرقابة على كيفية تطبيق الرسم لضمان التزام الجماعات الترابية بالمقتضيات القانونية.
- التأكد من الشروط القانونية: ضرورة التحقق من توفر جميع الشروط القانونية المنصوص عليها في القانون رقم 47.06 قبل فرض الرسم، وتجنب تطبيقه على أراضٍ لا تستوفي هذه المعايير.
- اعتماد مبدأ التدرج: التأكيد على أهمية تحديد أسعار الرسم بناءً على مستوى تجهيز المناطق والبنيات التحتية المتوفرة بها، بدلاً من تطبيق الأسعار القصوى بشكل آلي. وقد حددت المراسلة ثلاثة مستويات للأسعار:
- المناطق المجهزة بشكل كامل: بين 15 و 30 درهماً للمتر المربع.
- المناطق متوسطة التجهيز: بين 5 و 15 درهماً للمتر المربع.
- المناطق ضعيفة التجهيز: بين نصف درهم و درهمين للمتر المربع.
- معالجة طلبات الإعفاء: التسريع بمعالجة طلبات الإعفاء المؤقت من الرسم، وتفعيل اللجان المختصة المنصوص عليها قانوناً لدراسة هذه الطلبات، خصوصاً تلك المرتبطة بطبيعة الاستغلال أو صعوبة ربط العقار بشبكتي الماء والكهرباء أو عدم إنجاز أشغال البناء.
- تنفيذ الأحكام القضائية: التأكيد على ضرورة تنفيذ الأحكام القضائية النهائية التي تقضي بإلغاء الرسم فور اكتسابها قوة الشيء المقضي به.
- مواكبة الجماعات: دعوة الولاة والعمال إلى مواكبة الجماعات الترابية في عملية تصنيف المناطق وتحديد مستويات تجهيزها، وذلك بالتنسيق مع المصالح اللاممركزة والمؤسسات العمومية ذات الصلة.
- معالجة طلبات الإبراء والتخفيف: تسريع معالجة طلبات الإبراء أو التخفيف من الزيادات والغرامات المرتبطة بالرسوم المحلية، حيث يختص ولاة الجهات بالبت في الطلبات التي تتجاوز 50 ألف درهم، وعمال العمالات والأقاليم في الطلبات الأقل من هذا المبلغ.
نحو عدالة جبائية وتنمية حضرية مستدامة
إن هذه تعليمات الداخلية بشأن الرسم على الأراضي الحضرية تمثل خطوة محورية نحو إصلاح منظومة الجبايات المحلية وتصحيح مسار تطبيق القوانين. فالهدف الأسمى ليس فقط تحصيل الموارد المالية للجماعات، بل هو تحقيق العدالة الجبائية وضمان أن تكون الضرائب والرسوم الضريبة العقارية وسيلة لخدمة التنمية وليس أداة لعرقلتها أو إثقال كاهل المواطنين بغير وجه حق.
من شأن هذه التعليمات أن تساهم في:
- توضيح الرؤية: توفير إطار واضح وموحد لتطبيق الرسم، مما يقلل من الالتباسات ويحد من الاجتهادات الفردية غير المبررة.
- حماية المكلفين: صون حقوق دافعي الضرائب من خلال ضمان تطبيق القانون بدقة وشفافية، والحد من التعسف في فرض الرسوم أو تحديد أسعارها.
- تحفيز الاستثمار: عندما تكون المنظومة الجبائية واضحة وعادلة، فإن ذلك يشجع على الاستثمار في الأراضي العارية وتطويرها، بدلاً من تركها مجمدة تحت وطأة رسوم غير مفهومة.
- تعزيز ثقة المواطن: بناء الثقة بين الإدارة والمواطن من خلال إظهار التزام الدولة بمبادئ الإنصاف وتصحيح الأخطاء.
وفي هذا السياق، تواصل الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب، تغطيتها الشاملة لأبرز المستجدات والتطورات التي تهم الشأن العام، وستواكب عن كثب مدى تنزيل هذه التعليمات على أرض الواقع.
إن الرقابة المشددة من وزارة الداخلية على تطبيق الرسم على الأراضي الحضرية غير المبنية، وتوحيد الممارسات، وتحديد الأسعار بشكل متدرج، كلها إجراءات تصب في مصلحة تحقيق العدالة الجبائية وضمان تنمية حضرية متوازنة وشاملة.
التعليقات (0)
اترك تعليقك