في قلب الإدارة العمومية المغربية، تبرز وزارة الداخلية كركيزة أساسية لتنزيل السياسات العمومية والإشراف على الأوراش التنموية الكبرى. ومع ذلك، يجد جزء حيوي من كوادرها، متمثلاً في الموظفين والأطر المدنيين، نفسه في مواجهة تحديات مهنية ومادية دفعتهم إلى إطلاق مطالب الإنصاف لأطر وزارة الداخلية المدنيين. هذه المبادرة تهدف إلى رفع ما يصفونه بـ”الحيف” الذي يطالهم، مطالبين بتحقيق العدالة في أوضاعهم.
تعتبر “تنسيقية موظفي وزارة الداخلية المدنيين” الصوت الموحد لهذه الفئة، حيث قامت بصياغة “عريضة جماعية وطنية” وُجهت إلى وزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت. وقد حظيت هذه العريضة بتوقيع موظفين يمثلون ما يقرب من عشرين عمالة وإقليمًا حتى الآن، في خطوة تؤكد حجم الاستياء والرغبة في التغيير.
دور محوري في قلب الإدارة الترابية وتحديات جمة
يتولى الأطر المدنيون بوزارة الداخلية مسؤوليات جسيمة تتجاوز المهام الإدارية التقليدية. فهم يشكلون العمود الفقري في تدبير الشؤون اليومية للمواطنين، ومواكبة عمل الجماعات الترابية، وتتبع المشاريع التنموية على المستوى المحلي والجهوي. إنهم “دينامو” حقيقي للإدارة العمومية، ووجودهم ضروري لضمان سير المشاريع الاستراتيجية للدولة.
بالرغم من هذا الدور المحوري، تتسم وضعيتهم المادية والاعتبارية بـ”الجمود”، ولا تتناسب مع حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقهم. هذا التناقض الصارخ بين الجهد المبذول والعائد المهني يدفعهم للشعور بالغبن والتهميش، خاصة عند مقارنة وضعيتهم بفئات أخرى داخل نفس القطاع أو بقطاعات وزارية أخرى.
جوهر مطالب الإنصاف لأطر وزارة الداخلية المدنيين: دعوة للعدالة والكرامة
ترتكز العريضة المطلبية التي قدمتها التنسيقية على عدة نقاط جوهرية تعتبر المدخل الأساسي لتحقيق الإنصاف داخل “أم الوزارات”. ويمكن تلخيص أبرز مطالب الإنصاف لأطر وزارة الداخلية المدنيين فيما يلي:
- العدالة الأجرية: يطالب الموظفون بزيادة منصفة في الأجور تضمن لهم كرامة العيش وتتماشى مع الارتفاع المتواصل لتكاليف المعيشة، وذلك أسوة بالفئات الأخرى التي استفادت من مراجعات مادية.
- نظام أساسي خاص وعادل: تدعو التنسيقية إلى إخراج قانون أساسي خاص يضمن مسارًا مهنيًا واضحًا ومحفزًا، مع إحداث درجات إضافية وتسريع وتيرة الترقي، بما يراعي خصوصية وطبيعة المهام الصعبة في الإدارة العمومية.
- تسوية شاملة لوضعية حاملي الشهادات: المطالبة بتسوية وضعية حاملي الشهادات العليا (الماستر والإجازة) عبر مباريات مهنية داخلية، وتمكين الحاصلين على شهادة الدكتوراه من تغيير الإطار نحو هيئة التدريس الجامعي.
- حركة انتقالية شفافة ومنصفة: يطالب الموظفون بفتح نقاش جدي لضمان حركية شفافة وعادلة تأخذ بعين الاعتبار الأوضاع الاجتماعية للموظفين، ووضع حد للتنقيلات التعسفية التي تؤثر سلبًا على استقرارهم المهني والأسري.
- إصلاح مؤسسة الأعمال الاجتماعية: دعوة إلى تجويد الخدمات المقدمة للموظفين وعائلاتهم، وضمان استفادة عادلة للجميع من برامج ومبادرات المؤسسة.
رسالة ثقة ومستقبل الإدارة
يؤكد القائمون على هذه المبادرة أن تحركهم يأتي في إطار قانوني ومسؤول، ويعكس وعي الموظف المدني بدوره المحوري. إن توجيه العريضة عبر القنوات الرسمية يعبر عن رسالة ثقة في المؤسسات وقدرة الوزير الوصي على التفاعل الإيجابي مع هذه المطالب. فهم يرون أن هذه الخطوة لا تخرج عن سياق إصلاح الإدارة وتحسين وضعية العنصر البشري داخل مرفق سيادي وحيوي.
إن تحقيق مطالب الإنصاف لأطر وزارة الداخلية المدنيين ليس مجرد استجابة لمطلب فئوي، بل هو استثمار في كفاءات وطاقات تشكل عصب الإدارة المغربية. فالعدالة الأجرية، والنظام الأساسي العادل، والظروف المهنية المحفزة، هي ركائز أساسية لضمان فعالية ونجاعة المرفق العمومي، وتأهيل العنصر البشري ليواصل أداء مهامه بكفاءة وتفانٍ في خدمة الوطن.
لمتابعة آخر المستجدات حول هذا الموضوع وقضايا أخرى تهم الإدارة العمومية، زوروا الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك