وجه المجلس العلمي الأعلى في المغرب، خطاباً توجيهياً للخطباء والوعاظ والمرشدين والأئمة، يحثهم على تكثيف جهود التوعية بمفهوم “التدين النافع”، وذلك في إطار خطة “تسديد التبليغ” الرامية إلى تجديد أساليب تبليغ الدين.
وجاء التوجيه، وفقاً للكاتب العام للمجلس العلمي الأعلى سعيد شبار، لتعزيز الوعي بالفرق بين تدين غافل وتدين يثمر الورع والتقوى، وذلك عبر التدخل في المساجد ووسائل الإعلام والتواصل الميداني المباشر مع الناس.
وأكد شبار أن من أولويات التبليغ الحالية ربط العبادات بثمراتها العملية في حياة الأفراد والمجتمع، مشيراً إلى أن الأولويات الكبرى تتمثل في رعاية حقوق الله على العباد، ثم حقوق الناس، وأخيراً حق النفس في الحفظ والصون.
وبيّن المسؤول أن مهمة العلماء والقيمين الدينيين هي الحرص على وعي الناس بالمطلوب منهم في باب التدين النافع، حتى يعيشوا حياتهم على أساس توحيد الله مقترناً بمحاسبة النفس، وأن تتغير حياتهم لتصبح أقرب إلى “الحياة الطيبة” التي عرفها القرآن.
وأوضح أن هذه الخطوة تأتي بعد ملاحظة القيمين على الشأن الديني في البلاد لوجود “تفاوت بين قيم الشرع وسلوك الناس”، مما يستدعي تجديداً في منهجية وأسلوب التبليغ.
محاور رئيسية للعمل الميداني
حدد التوجيه عدداً من المحاور التي يجب على الفقهاء والوعاظ التركيز عليها في تدخلاتهم، ومنها التشجيع على التكافل الاجتماعي والنظر في أحوال ساكنة كل حي، والإنفاق لتقليل العوز، والتكفل بعلاج الحالات المزمنة كالمرض والإدمان والاكتئاب.
كما شملت المحاور التفقد للإصلاحيات والسجون ودور العجزة والمستشفيات، ونصح الشباب وتمنيعهم من الفتن والإدمان بكل أنواعه، مع إيلاء عناية خاصة للتحدي الرقمي الراهن.
وفي مجال العلاقات الأسرية، حث المجلس على التوعية بالميثاق الغليظ بين الأزواج وقيم المودة والرحمة والصبر والصفح، والتدخل لإصلاح ذات البين، والتحسيس بمخاطر الطلاق وآثاره على الأبناء.
ودعا المجلس أيضاً إلى التوعية بضرورة حفظ النظام العام عبر احترام القوانين المعمول بها، مؤكداً أن مخالفتها تعتبر مخالفة شرعية، كمخالفة قوانين السلامة الطرقية.
ومن بين المحاور المطروحة، التوعية الصحية والبيئية، والتركيز على العناية بالصحة النفسية والبدنية، وتجنب الإسراف والتبذير في المأكل والمشرب.
تكامل الوازعين وتنسيق المؤسسات
اعتبر سعيد شبار العمل التبليغي تمكينا لـ”وازع القرآن”، إلى جانب “وازع السلطان” الذي تمثله مؤسسات الدولة والقانون العام، مؤكداً أن في تكاملهما قوة للأمة والدولة في وجودها المعنوي والمادي.
ولفت إلى أن العمل التبليغي يشكل رافداً من روافد التنمية في الدولة، مما يستدعي التنسيق والتعاون في هذا المجال مع كل المؤسسات الشريكة في الموضوعات الميدانية، سواء كانت تربوية أو صحية أو أمنية أو قضائية أو اجتماعية أو بيئية.
وشدد على أهمية الاستعانة بجماعة المسجد وفضلاء كل حي، وكل الطاقات الخيرة للإسهام في هذا العمل الذي ينبغي أن يمتد في كل أنحاء الأمة، خدمة للدين والوطن.
يذكر أن وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق كان قد أوضح في كلمة له في يناير الماضي أن “خطة تسديد التبليغ” تهدف إلى تجديد طرق تبليغ الدين في “عصر الإحصاء”، حيث تكون المعرفة العلمية لنسبة الصلاح والفساد مصحوبة بتشخيص مفصل لكل جماعة.
وأشار التوفيق آنذاك إلى أن أول من يتعين عليهم اعتبار نتائج الالتزام بالدين في جماعة من المسلمين هم العلماء، لأنهم كما ورثوا واجب القيام بالتبليغ يتعين عليهم النظر الدائم في مدى نجاعة هذا التبليغ وتأثيره.
ومن هذا المنطلق، طرح المجلس العلمي الأعلى إشكالية التبليغ كموضوع ومنهج، بعد أن وقف أعضاؤه على وجود فجوة كبرى وتفاوت جلي بين قيم الدين في باب السلوك وبين نوعية تدين الناس في أعمالهم ومعاملاتهم.
ومن المتوقع أن تتبع هذه التوجيهات سلسلة من اللقاءات التنسيقية والتكوينية مع الخطباء والوعاظ على المستوى المحلي والجهوي، لتفعيل مضامين خطة “تسديد التبليغ” وتحقيق الأهداف المرجوة منها في تعزيز التدين الواعي والنافع في المجتمع.
التعليقات (0)
اترك تعليقك