لم يعد الشيخوخة مجرد رقم في إحصائية مستقبلية، بل تحولت إلى واقع اجتماعي ملموس يطرق أبواب الأسر المغربية بصمت. فخلال عقد واحد فقط، شهد المغرب ارتفاعاً ملحوظاً في نسبة السكان الذين تزيد أعمارهم عن ستين عاماً، وفقاً لأحدث البيانات الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط.
يأتي هذا التحول الديموغرافي السريع في وقت تشهد فيه البلاد تحولات اقتصادية واجتماعية متسارعة، مما يطرح تحديات جديدة على صعيد سوق العمل وأنظمة التقاعد والضمان الاجتماعي. وتشير الأرقام الرسمية إلى أن نسبة الأفراد البالغين ستين عاماً فما فوق قاربت عشرة في المائة من إجمالي السكان.
في هذا السياق، برزت ريادة الأعمال في مرحلة متقدمة من العمر كخيار عملي لكثير من المغاربة الذين يملكون خبرات متراكمة ورغبة في الاستمرار في الإنتاج. ولم يعد هذا المسار حكراً على فئة الشباب، بل أصبحت المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي يقودها أشخاص تجاوزوا الخمسين تشهد انتشاراً ملحوظاً.
وتشمل هذه المشاريع مجالات متنوعة، منها التجارة الإلكترونية، والخدمات الاستشارية في مجالات التخصص، والحرف التقليدية المتطورة، والزراعة الحديثة. ويعتمد العديد من هؤلاء الرواد على شبكات علاقات مهنية شيدوها على مدى عقود، بالإضافة إلى خبرة عملية عميقة في قطاعاتهم.
من جانبها، بدأت بعض المؤسسات الحكومية والجمعيات المهنية في تقديم برامج دعم مخصصة لهذه الفئة. وتتركز هذه البرامج على تقديم الاستشارات القانونية والإدارية، والتوجيه في كتابة خطط العمل، والتسهيلات في إجراءات التسجيل الرسمية للمشاريع.
ويواجه رواد الأعمال من كبار السن مجموعة من التحديات الخاصة، أبرزها صعوبة الوصول إلى التمويل المصرفي التقليدي، والتكيف مع الأدوات التكنولوجية الحديثة، والقوانين المرتبطة بالتقاعد والضمان الاجتماعي التي قد لا تتوافق دائماً مع نشاطهم الجديد. كما أن ثقافة المجتمع التي كانت ترى في هذه المرحلة العمرية مرحلة للراحة والانسحاب تشكل عائقاً نفسياً لدى البعض.
على الصعيد الاقتصادي، يساهم هذا النشاط في تنويع مصادر الدخل للأسر، وتخفيف الضغط على صناديق التقاعد، والاستفادة من رأس المال البشري المخزون الذي قد يضيع إذا لم يتم توظيفه. كما أن هذه المشاريع غالباً ما تكون أكثر استقراراً وأقل مخاطرة بسبب خبرة مؤسسيها.
وتعمل وزارة الاقتصاد والمالية، بالتعاون مع غرف التجارة والصناعة، على دراسة سبل تطوير إطار تشريعي وتنظيمي أكثر مرونة يدعم هذا النوع من المبادرات. وتتضمن المقترحات المطروحة إنشاء نوافذ تمويلية خاصة، وتسهيل إجراءات منح التراخيص، وتقديم إعفاءات ضريبية مؤقتة للمشاريع الناشئة في هذا الإطار.
من المتوقع أن تشهد الفترة المقبلة زيادة في عدد المبادرات الرسمية والخاصة الداعمة لريادة الأعمال في مراحل عمرية متقدمة. كما ستركز الخطط القادمة على تطوير منصات تدريبية رقمية تلائم احتياجات هذه الفئة، وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص لخلق بيئة محفزة.
التعليقات (0)
اترك تعليقك