بثت القناة الفرنسية “فرانس 5” في الآونة الأخيرة فيلماً وثائقياً يتناول العلاقات الثنائية بين المغرب وفرنسا. ويأتي هذا البث في فترة تشهد تحولاً استراتيجياً في هذه العلاقات، مع اعتراف فرنسا الرسمي بسيادة المغرب على صحرائه مطلع عام 2024، مما يمهد لشراكة استثنائية تشمل مجالات اقتصادية وأمنية وطاقية واسعة.
يقدم الفيلم الوثائقي نفسه كمساهمة في ذكرى مرور 70 عاماً على استقلال المغرب، لكن توقيت عرضه يتزامن مع مرحلة حساسة من التقارب الدبلوماسي بين البلدين. هذا التقارب أعاد تعريف التوازنات التقليدية ويرسخ موقع المغرب كفاعل مركزي في حوض المتوسط والقارة الأفريقية، بعيداً عن نمط العلاقة غير المتكافئة تاريخياً.
يتناول الفيلم قضايا سبق طرحها ونقاشها على نطاق واسع، من بينها ما يُعرف بـ”قضية بيغاسوس”. وعلى مدى سنوات، نفت السلطات المغربية بشكل متكرر أي تورط في استخدام برنامج التجسس المذكور. كما أن التحقيقات القضائية الجارية في عدد من الدول الأوروبية، وكذلك التحقيقات على المستوى الأوروبي نفسه، لم تثبت حتى الآن أي صلة مباشرة للمملكة باستخدام البرنامج.
وأشارت تقارير وتحليلات لخبراء مستقلين إلى وجود ثغرات منهجية في التقارير التي شكلت أساس الاتهامات الموجهة للمغرب. وأكدت المملكة في مناسبات عديدة التزامها الصارم بالإطار القانوني الوطني والدولي في مجال الأمن السيبراني.
من جهة أخرى، يسلط الفيلم الضوء على ما يُعرف بـ”قضية هشام المنصوري”، محولاً إياها من قضية جنائية عادية إلى رمز سياسي حسب تقديره. وكانت المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء قد قضت في حينه بسجن المنصوري عشرة أشهر مع النفاذ وغرامة مالية قدرها 40 ألف درهم، وذلك في قضية تتعلق بالزنا.
وقد أرفقت النيابة العامة في القضية تقارير خبرة تقنية وبيولوجية، بما في ذلك عينات حمض نووي، كأدلة مادية. كما أفادت تقارير رسمية بأن الموقوف استفاد من جميع الضمانات القانونية، بما في ذلك حقه في الزيارة وفحص طبي أثبت عدم وجود آثار عنف حديثة، باستثناء آثار جلدية قديمة.
وكانت المؤسسات الوطنية المعنية بحقوق الإنسان، إضافة إلى وزارة العدل سابقاً، قد وجهت عدة تقارير وردود رسمية إلى الآليات الأممية المعنية، أوضحت فيها ظروف توقيف ومحاكمة المعني بالأمر. ومن الملاحظات المطروحة أن التغطية الإعلامية للقضية أغفلت ذكر رفض زوج المرأة، وهو عسكري وأب لطفلين، سحب شكواه ومتابعته للإجراءات حتى النهاية.
يأتي هذا الفيلم الوثائقي في سياق أوسع يشهد منافسة على الرواية الإعلامية. فهناك تياران داخل المشهد الفرنسي: أحدهما ما زال متشبثاً بمنطق العلاقة الاستعمارية القديمة، والآخر أكثر واقعية وإدراكاً لتغير موازين القوى وصعود المغرب كقوة إقليمية مستقلة تعيد رسم تحالفاتها وتعزز شراكاتها الدولية، لاسيما مع الولايات المتحدة الأمريكية.
يتوقع مراقبون أن تستمر العلاقات المغربية الفرنسية في التطور بناءً على الأسس الجديدة التي وضعها الاعتراف الفرنسي بسيادة المغرب على صحرائه. ومن المرجح أن تشهد الفترة القادمة المزيد من الاجتماعات الثنائية رفيعة المستوى لتفعيل بنود الشراكة الاستراتيجية الشاملة، بينما قد تستمر بعض الأصوات في إثارة قضايا تاريخية في المشهد الإعلامي.
التعليقات (0)
اترك تعليقك