عاجل

زهرية مراكش: عطر النارنج يحكي ذاكرة حية للتراث الحضري

زهرية مراكش: عطر النارنج يحكي ذاكرة حية للتراث الحضري

تثير تجربة “زهرية مراكش”، وهي مبادرة تراثية في المدينة الحمراء، اهتمام الزوار والمهتمين بالتراث الثقافي غير المادي، حيث تقدم رحلة حسية تعتمد على عطر زهر النارنج (البرتقال المر) المرتبط بتاريخ المدينة.

وصفت سائحة إيطالية تدعى إيلينا التجربة بأنها “حية”، مشيرة إلى أنها تتجاوز الجانب البصري لتشمل الرائحة والدفء والحركات، مما يخلق انغماساً كاملاً في الجو التقليدي.

تركز المبادرة على استحضار الذاكرة الجماعية لسكان مراكش من خلال حاسة الشم، حيث يعتبر عطر النارنج أحد الروائح المميزة التي ارتبطت بالمدينة وأزقتها وبيوتها التقليدية لقرون.

تعمل “زهرية مراكش” ضمن إطار أوسع لحفظ التراث الحضري غير المادي، الذي يشمل الحرف التقليدية والممارسات الاجتماعية والروائح المميزة للمكان، وهو مجال يلقى اهتماماً متزايداً من منظمات مثل اليونسكو.

لا تقتصر المبادرة على الجانب السياحي، بل تهدف أيضاً إلى توثيق وتناقل المعرفة المتعلقة بتقنيات جمع الزهور وتحضير العطور التقليدية بين الأجيال، خاصة مع التغيرات السريعة في النسيج الحضري.

يذكر أن أشجار النارنج تزين العديد من الساحات والرياضات (البيوت التقليدية) في مراكش، وكانت تستخدم تقليدياً في صناعة العطور وماء الزهر، وهو مشروب تقليدي، مما يجعل الرائحة عنصراً أساسياً في الهوية الحسية للمدينة.

تشكل مثل هذه المبادرات جزءاً من جهود محلية للحفاظ على الخصوصية الثقافية لمراكش في مواجهة العولمة والتحديات العمرانية الحديثة، التي قد تطمس بعض المعالم غير المادية للتراث.

يشارك في هذه التجربة حرفيون محليون يشرحون عملية استخلاص العطر من الزهور، مروراً بمراحل القطف والفرز والتقطير، وفقاً لطرق متوارثة، مما يوفر فرصة للتعرف على جانب من الاقتصاد الحرفي التقليدي.

يلاحظ مختصون في التراث أن الاهتمام بالذاكرة الشمية يمثل اتجاهاً عالمياً في مجال حفظ التراث، حيث يمكن للروائح أن تستدعي ذكريات ومشاعر مرتبطة بمكان وزمان محددين بقوة تفوق أحياناً الصور.

من المتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تعاوناً بين القائمين على المبادرة وباحثين في مجالي الأنثروبولوجيا والتاريخ الشفهي، لتوثيق الروايات والممارسات المرتبطة بعطر النارنج في ذاكرة كبار السن من سكان مراكش الأصليين.

تخطط الجهات المنظمة أيضاً لتوسيع نطاق المشروع ليشمل ورش عمل تدريبية للشباب الراغب في تعلم أساسيات هذه الحرفة التقليدية، كوسيلة للحفاظ عليها من الاندثار.

ستكون الخطوة التالية تقييم أثر المبادرة على الصعيدين الثقافي والاجتماعي بعد مرور عام على انطلاقتها، ودراسة إمكانية تطبيق نموذج مماثل لحفظ روائح تراثية مميزة في مدن مغربية وعربية أخرى.

التعليقات (0)

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.