شهدت منطقة الساحل، وتحديداً شمال مالي، تطورات أمنية خطيرة تمثلت في هجمات إرهابية منسقة ومتزامنة، أثارت تساؤلات حول طبيعتها ومدى ارتباطها بالديناميكيات الإقليمية. تأتي هذه الهجمات في وقت يعاني فيه الإقليم من توترات خفية واستراتيجيات زعزعة استقرار وصلت إلى مستويات مقلقة، مما دفع مراقبين إلى اعتبار أن هذه العمليات ليست داخلية بحتة، بل تكشف عن تناقض في مقاربات اللاعبين الإقليميين، خاصة بين المغرب والجزائر.
تشير المعطيات المتوفرة إلى أن الهجمات، التي تبناها كل من جماعة دعم الإسلام والمسلمين (JNIM) المرتبطة بتنظيم القاعدة وجبهة تحرير أزواد، تمت بمستوى عالٍ من التنسيق. هذا المستوى من التزامن يطرح علامات استفهام حول القدرات الحقيقية لهذه المجموعات وآليات دعمها التي أدت إلى تصاعد نشاطها. في هذا السياق، يبرز الدور الجزائري كعنصر محوري في الأزمة المالية، وفقاً لتقارير متخصصة وتحليلات مراقبين.
تواجه الجزائر اتهامات بإيواء قيادات فصائل مسلحة تعمل في شمال مالي، بالإضافة إلى استضافة شخصيات معارضة بارزة، مثل الإمام محمود ديكو. كما أن قرار باماكو بإنهاء الوساطة الجزائرية التقليدية في الساحل يمثل قطيعة واضحة مع النفوذ الجزائري في الملفات الإقليمية. وتأتي هذه التطورات متزامنة مع نشاط إعلامي جزائري مكثف وانتقادي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يتضمن تسريبات معلوماتية وترويجاً لرواية تدعم انهيار الدولة المالية، مما يشير إلى استراتيجية مزدوجة تمزج بين التصعيد العلني والمواقف الدبلوماسية المتوازنة ظاهرياً.
الأكثر إثارة للجدل هو ما ورد في تقارير استخباراتية أمريكية وإسرائيلية، نقلها موقع “ساحل إنتلجنس” المتخصص، يشير إلى أن الجماعات المسؤولة عن الهجمات تتلقى دعماً لوجستياً كبيراً من الجزائر، يشمل الوقود والمركبات العسكرية والمعدات. هذا الدعم، بحسب المصادر نفسها، يفسر القدرة المتزايدة لهذه الفصائل في المناطق الحدودية للساحل. في مقابل هذا الدور، تبرز سياسة الرباط كقطب مضاد، قائمة على مبدأ عدم التدخل ودعم استقرار ووحدة الدول.
أدان المغرب الهجمات الإرهابية في مالي بشدة، وأعرب عن تضامن كامل مع الدولة المالية دون استغلال الأزمة في صراعات إقليمية. وجددت المملكة موقفها الثلاثاء أمام مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي، معربة عن تضامنها الفاعل مع مالي وداعية إلى تعزيز الدعم للجهود الوطنية. وأكد الوفد المغربي “تعاطفه العميق وخالص تعازيه لأسر الضحايا والشعب المالي”، داعياً إلى مقاربة إقليمية منسقة تستند إلى الآليات المعنية وتضمن التكامل مع الجهود المالية، مع حشد التمويل اللازم للاستجابة السريعة.
من خلال هذا الموقف، يرسخ المغرب سياسته القائمة على احترام السيادة الوطنية والوحدة الترابية، في تناقض واضح مع المواقف المزدوجة التي تتبناها بعض الأطراف. من المتوقع أن تواصل باماكو، بدعم من الرباط، تعزيز تحركاتها العسكرية والدبلوماسية لمواجهة الإرهاب والانفصال، في وقت تتصاعد فيه التساؤلات حول مستقبل الوساطة الجزائرية وتداعيات الاتهامات الموجهة إلى الجزائر على استقرار المنطقة.
التعليقات (0)
اترك تعليقك