في خضم النقاش الدائر حول مستقبل الحقوق والحريات في المغرب، تبرز دعوات متزايدة إلى تطوير البناء الدستوري في المغرب، وذلك بعد مرور خمسة عشر عامًا على اعتماد دستور 2011. فقد كشفت تقارير حقوقية حديثة عن وجود فجوة عميقة بين النصوص الدستورية والممارسة الفعلية على أرض الواقع، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول فعالية الإصلاحات المؤسسية والقانونية.
حصيلة مخيبة للآمال في تفعيل الحقوق الدستورية
أصدرت العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان تقريرًا تقييميًا شاملًا، بمناسبة الذكرى الخامسة عشرة لدستور 2011، رصدت فيه جملة من الإنجازات والتحديات. فمن ناحية، يُقر التقرير بأن الدستور الحالي شكل نقلة نوعية في مسار دسترة الحقوق، خاصة فيما يتعلق بحرية الرأي والتعبير والحق في الوصول إلى المعلومة، كما ينص على ذلك الفصلان 25 و27. غير أن التقرير يلفت الانتباه إلى أن هذه المكاسب تظل نظرية ما لم تُترجم إلى قوانين وممارسات ملموسة.
ويشير التقرير إلى أن القوانين التنظيمية والتشريعات العادية لم تواكب روح الدستور، بل إن بعضها يتضمن بنودًا فضفاضة تسمح بتقييد الحريات، مثلما هو الحال في القانون الجنائي وقوانين الصحافة والنشر. وقد أدى هذا الوضع إلى متابعة قضائية لصحافيين ونشطاء حقوقيين بسبب ممارساتهم السلمية، مما يثير مخاوف جدية بشأن حرية التعبير في البلاد.
تحديات كبيرة في الحقوق الاجتماعية: الصحة والتعليم
لم يقتصر التقرير على الحريات الفردية، بل تناول أيضًا الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، ولا سيما الحق في الصحة والتعليم. ففي قطاع الصحة، وعلى الرغم من إطلاق مشروع تعميم الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية، إلا أن الواقع الميداني يكشف عن استمرار اختلالات هيكلية، أبرزها العجز الكبير في الموارد البشرية. فالمغرب يسجل واحدًا من أدنى معدلات الأطباء بالنسبة لعدد السكان مقارنة بدول ذات مستوى تنموي مماثل، كما أن عدد الأطر الصحية لا يزال دون الحد الأدنى الذي توصي به منظمة الصحة العالمية.
أما في قطاع التعليم، فيشير التقرير إلى تدهور جودة التعليم العمومي، وهو ما تؤكده نتائج التقييمات الوطنية والدولية التي تظهر ضعفًا في المكتسبات الأساسية للتلاميذ في القراءة والرياضيات والعلوم. كما أن نظام التوظيف الجهوي للأطر التربوية، المعروف بـ”التعاقد”، خلق حالة من عدم الاستقرار المهني والاجتماعي والنفسي لدى عشرات الآلاف من الأساتذة، مما أدى إلى احتجاجات وإضرابات متكررة انعكست سلبًا على الزمن المدرسي والتحصيل الدراسي.
دعوات صريحة لمراجعة الدستور وتطوير البناء الدستوري في المغرب
بناءً على هذه المعطيات، دعت العصبة المغربية إلى فتح نقاش وطني مؤسساتي ومجتمعي حول إمكانية مراجعة وتعديل بعض المقتضيات الدستورية التي أظهر التطبيق العملي الحاجة إلى تطويرها. وأوضح رئيس المنظمة، عادل تشيكيطو، في تصريح صحفي، أن هذه الدعوة ليست دعوة إلى هدم ما تحقق أو القطيعة مع دستور 2011، بل هي دعوة إلى تطوير البناء الدستوري في المغرب وتعزيز قوته الحقوقية والمؤسسية.
وأشار تشيكيطو إلى أن الدستور الحالي يفتقر إلى آليات واضحة لتتبع تنفيذ مضامينه، كما أن بعض صياغاته توحي بأن الالتزام بها أمر اختياري وليس إلزاميًا. وأضاف أن هذا الوضع يفتح الباب أمام سياسات الخصخصة في قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم، مما يهدد مبدأ العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص.
مطالب حقوقية بإصلاحات تشريعية ومؤسسية شاملة
ولم تقتصر توصيات التقرير على الجانب الدستوري، بل شملت أيضًا ضرورة إصلاح المنظومة القانونية بما يتوافق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان. ففي مجال حرية التجمع والتظاهر، لوحظ أن السلطات العمومية غالبًا ما تلجأ إلى أساليب المنع والقمع، سواء عبر قرارات إدارية مكتوبة أو عبر ما يسمى بـ”المنع الشفوي”، وهو أسلوب غير قانوني يفتقر إلى الشفافية ويصعب الطعن فيه قضائيًا.
كما طالبت العصبة بمراجعة شاملة للسياسات العمومية في مجالي الصحة والتعليم، مع تخصيص ميزانيات كافية وتوفير الموارد البشرية اللازمة، ووضع آليات للمساءلة والمحاسبة. وأكدت على أهمية المقاربة التشاركية في إعداد وتنفيذ هذه السياسات، بمشاركة فعالة من المجتمع المدني والمواطنين.
وفي الختام، يمكن القول إن ملف تطوير البناء الدستوري في المغرب أصبح يشكل أولوية ملحة لدى الفاعلين الحقوقيين، الذين يرون فيه السبيل الوحيد لضمان انتقال حقيقي نحو دولة الحق والقانون. فالدستور وحده لا يكفي، بل لا بد من إرادة سياسية حقيقية لتفعيل مقتضياته وتجسيدها على أرض الواقع، بما يعزز ثقة المواطنين في المؤسسات ويحقق التنمية المستدامة.
للمزيد من المعلومات حول الدستور المغربي، يمكنكم الاطلاع على صفحة دستور المغرب على ويكيبيديا.
تابعوا آخر المستجدات حول هذا الموضوع على الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك