عاجل

حزب تامونت للحريات يدعو إلى التصويت الأبيض في الانتخابات التشريعية: تحليل وتداعيات

حزب تامونت للحريات يدعو إلى التصويت الأبيض في الانتخابات التشريعية: تحليل وتداعيات

دعوة حزب تامونت للحريات إلى التصويت الأبيض في الانتخابات التشريعية: قراءة في الأبعاد والتداعيات

في تطور سياسي لافت، أعلن حزب تامونت للحريات، ذو المرجعية الأمازيغية، عن دعوته إلى اعتماد التصويت الأبيض في الانتخابات التشريعية المقبلة، مع الدعوة إلى مقاطعة ما وصفها بـ”المؤسسات العروبية” للدولة. وتأتي هذه الدعوة في وقت حساس تشهد فيه الساحة السياسية المغربية نقاشات حادة حول الشرعية والمشاركة الانتخابية، خاصة بعد الطعن في ملف تأسيس الحزب من قبل وزارة الداخلية.

ويرى مراقبون أن هذه الدعوة تعكس تصعيدًا في خطاب الحزب الذي يعتبر أن الأحزاب السياسية التقليدية تفتقر إلى الشرعية الدستورية والوطنية والهوياتية، وتعمل على ترسيخ ما يسميه “الاستعمار الهوياتي” ومحاربة الهوية الأمازيغية. وفي هذا السياق، يدعو الحزب إلى التصويت الأبيض كوسيلة للتعبير عن رفض هذه المنظومة، مع التأكيد على أهمية المشاركة الوطنية في الانتخابات الأكثر مراقبة داخليًا وخارجيًا.

خلفيات الدعوة وموقف الحزب من المؤسسات

يعتبر حزب تامونت للحريات أن “الوطن ليس وعاءً انتخابيًا عروبيًا ولا خزان أصوات للاحتلال العروبي، بل هو المجال التاريخي الأصلي للأمة الأمازيغية المورية”. ويستند الحزب في موقفه إلى رفضه للسياسات العمومية التي تعمل على إدماج الأمازيغية في الدولة العربية، معتبرًا أنها تكرس التسلط والإقصاء والتمييز. وقد أثار هذا الخطاب جدلًا واسعًا بين مؤيدين يرون فيه تعبيرًا عن تطلعات هوياتية مشروعة، ومعارضين يعتبرونه دعوة إلى الفتنة والتقسيم.

وفي بيانه، شدد الحزب على أن “الشرعية الوجودية لا تختزل في مجرد المشاركة في الانتخابات من عدمها، بل على ضرورة احترام النظام السياسي ودولة الأمة بمؤسساتها ودستورها وقوانينها للشرعية الهوياتية الوجودية للأمة الأمازيغية المورية”. وهذا الطرح يضع الحزب في مواجهة مباشرة مع مفهوم الدولة الوطنية الجامعة، ويثير تساؤلات حول مستقبل التعايش السياسي في المغرب.

مطالب الحزب: من التصويت الأبيض إلى إعادة تأسيس الدولة

لم تقتصر دعوة الحزب على التصويت الأبيض، بل تضمنت جملة من المطالب الجذرية التي تستهدف إعادة تشكيل بنية الدولة. ومن أبرز هذه المطالب:

  • تأسيس حكومة وطنية وإقرار مراجعة دستورية للتأسيس لما يسميه “الدولة الأمازيغية المورية”.
  • الإعلان الدستوري عن دولة الأمة الأمازيغية المورية بنظامها البرلماني الفدرالي ومؤسساتها الوطنية.
  • جعل مؤسسة “أكليد” مؤسسة وطنية جامعة، واعتماد النظام البرلماني الفدرالي كإطار لتوزيع السلطة ترابيًا.
  • تعميم الحكم الذاتي على جميع الجهات، مع إعادة تقسيم الجهات وفق معيار التكامل المجالي.
  • الإعلان الدستوري عن جعل الحقل الديني اختصاصًا حصريًا لإمارة المؤمنين، مع تدبيره بالعلمانية الحامية للدين.
  • تبني الاقتصاد الديمقراطي الاجتماعي التضامني وربط النمو الاقتصادي بالتنمية الاجتماعية والعدالة المجالية.

هذه المطالب تعكس رؤية شاملة لإعادة صياغة العقد الاجتماعي والسياسي في المغرب، وهي رؤية قد تبدو بعيدة عن الواقع السياسي الراهن، لكنها تعبر عن تيار هوياتي متصاعد يبحث عن موقع له في المشهد العام.

ردود الفعل والانعكاسات على المشهد الانتخابي

أثارت دعوة الحزب ردود فعل متباينة. فبينما اعتبر البعض أن الدعوة إلى التصويت الأبيض تعبير عن احتجاج سياسي مشروع، رأى آخرون أنها تخدم أجندات خارجية وتهدد استقرار البلاد. وفي هذا الصدد، يقول المحلل السياسي محمد لعيوني: “المواطن في حاجة للتشغيل والصحة والتعليم، أما الهوية فلتبحث عنها في كتب الفلسفة. أنا أمازيغي حين أخرج للشارع لا أبحث عن الهوية، بل أبحث عن شغل لائق وتعليم جيد وصحة وأمن”. ويضيف: “العزوف عن المشاركة يعني فسح المجال للآخرين للسيطرة على البرلمان والحكومة دون تغيير، والحل هو المشاركة في بناء الوطن”.

ومن جهة أخرى، يرى مؤيدو الحزب أن الدعوة إلى التصويت الأبيض هي وسيلة سلمية للتعبير عن رفض سياسات الإقصاء والتهميش، وأن المطالبة بالاعتراف بالهوية الأمازيغية المورية لا تتعارض مع الوحدة الوطنية. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل يمكن لهذه الدعوة أن تؤثر فعليًا على نسب المشاركة في الانتخابات المقبلة؟ وهل ستجد صدى لدى الناخب الأمازيغي؟

تشير التجارب السابقة إلى أن دعوات المقاطعة أو التصويت الأبيض لم تحقق نسبًا كبيرة في المغرب، لكنها قد تساهم في تعزيز حالة العزوف السياسي، خاصة في المناطق التي تشهد شعورًا بالتهميش. ومن هنا، تكتسي معالجة المطالب الهوياتية والاجتماعية أهمية قصوى لضمان استقرار المشهد السياسي.

تحليل: بين الشرعية الدستورية والشرعية الهوياتية

يطرح حزب تامونت للحريات إشكالية عميقة تتعلق بتعدد مصادر الشرعية في الدولة الحديثة. فمن جهة، هناك الشرعية الدستورية المستمدة من الإرادة الشعبية عبر الانتخابات، ومن جهة أخرى هناك شرعية هوياتية يطالب بها الحزب باعتبارها أساسًا وجوديًا للأمة الأمازيغية. ويبدو أن الحزب يسعى إلى إحداث قطيعة مع المنظومة السياسية القائمة، عبر الدعوة إلى التصويت الأبيض ورفض المؤسسات التي يعتبرها غير ممثلة له.

وفي هذا الإطار، يبرز السؤال حول مدى قدرة النظام السياسي على استيعاب هذه المطالب دون المساس بوحدته واستقراره. فالتجارب الدولية تشير إلى أن تجاهل المطالب الهوياتية قد يؤدي إلى تصاعد الاحتقان والاحتجاجات، بينما يؤدي الحوار والاعتراف المتبادل إلى تهدئة النفوس وبناء توافقات جديدة.

ولعل ما يزيد الأمر تعقيدًا هو السياق الإقليمي والدولي، حيث تتزايد الضغوط حول قضايا حقوق الإنسان والحريات، مما قد يمنح هذه الدعوات زخمًا إضافيًا. ومن هنا، يصبح من الضروري على الفاعلين السياسيين والمجتمع المدني فتح نقاش عمومي حول الانتقال الدستوري التحرري الهوياتي، كما يدعو الحزب، لكن في إطار يحافظ على الوحدة الوطنية ويضمن حقوق جميع المغاربة.

خاتمة: نحو فهم أعمق للظاهرة

في المحصلة، تمثل دعوة حزب تامونت للحريات إلى التصويت الأبيض في الانتخابات التشريعية تعبيرًا عن حالة من الاحتقان الهوياتي والسياسي التي يعرفها المغرب. وبغض النظر عن الموقف منها، فإنها تطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل الديمقراطية والتمثيل السياسي في البلاد. ومن هنا، يبقى الرهان الأكبر هو كيفية بناء جسور الحوار بين مختلف مكونات المجتمع، بعيدًا عن لغة الإقصاء والتخوين، لضمان مغرب موحد ومزدهر للجميع.

لمزيد من الأخبار والتحليلات السياسية، تابعوا الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.

التعليقات (0)

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.