بنك المغرب يثبت سعر الفائدة الرئيسي: استمرارية السياسة النقدية في مواجهة غموض المشهد العالمي
في خطوة تعكس حذراً متزايداً إزاء التطورات الخارجية، أعلن مجلس بنك المغرب عن قراره بتثبيت سعر الفائدة الرئيسي عند مستوى 2,25% خلال اجتماعه الفصلي الثالث لسنة 2026، المنعقد يوم الثلاثاء 22 شتنبر. ويأتي هذا القرار ليعزز مسار الاستقرار النقدي الذي انطلق منذ يونيو 2025، وسط توقعات باستمرار التضخم في نطاق معتدل خلال الأشهر المقبلة. وتجدر الإشارة إلى أن هذا التثبيت السادس على التوالي يعكس توازناً دقيقاً بين دعم النمو الاقتصادي وضبط الضغوط التضخمية المحتملة، وفق ما أورده تقرير لـالجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
لماذا أبقت المؤسسة النقدية على سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير؟
يرتكز قرار التثبيت على جملة من المعطيات الاقتصادية التي تجمع بين استقرار الأسعار الداخلية وتصاعد المخاطر الجيوسياسية. فمن جهة، سجل معدل التضخم في المغرب أدنى مستوياته خلال السنوات الأخيرة، إذ لم يتجاوز 0,3% في المتوسط خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، بفضل انخفاض أسعار بعض المواد الغذائية الأساسية. ومن جهة أخرى، يظل الاقتصاد الوطني عرضة لصدمات خارجية متعددة، أبرزها استمرار النزاع الروسي-الأوكراني وتصاعد التوترات في الشرق الأوسط، مما يزيد من تقلبات أسعار المواد الأولية.
وفي هذا السياق، يرى محللون أن الإبقاء على سعر الفائدة الرئيسي عند 2,25% يمنح البنك المركزي هامشاً مناورة أكبر لمواجهة أي طارئ تضخمي محتمل، خاصة مع بدء بعض البنوك المركزية الكبرى في رفع أسعار الفائدة مجدداً. كما أن الطلب المحلي لا يزال قوياً، مما لا يستدعي تحفيزاً نقدياً إضافياً في الوقت الراهن.
توقعات التضخم: مسار تصاعدي طفيف في 2027
على الرغم من الأداء الإيجابي للتضخم في 2026، تتوقع توقعات بنك المغرب ارتفاعه تدريجياً ليصل إلى 0,7% بنهاية السنة الجارية، ثم إلى 1,5% في 2027. ويعزى هذا الارتفاع المرتقب إلى تسارع التضخم الكامن (باستثناء المواد الطاقية والغذائية الطازجة) من -0,2% في 2026 إلى 2,2% في 2027، نتيجة لانحسار تأثير انخفاض أسعار زيت الزيتون واستمرار الضغوط التضخمية المستوردة. وتشير توقعات الخبراء الماليين، الذين استجوبهم بنك المغرب خلال الربع الثالث من 2026، إلى أن معدل التضخم سيعود إلى 2,1% خلال الثمانية أرباع المقبلة، و2,2% خلال الاثني عشر ربعاً القادمة، مما يعكس ثقة نسبية في استقرار الأسعار على المدى المتوسط.
النمو الاقتصادي: تباطؤ متوقع مع استمرار خلق فرص العمل
يتوقع بنك المغرب أن يتراجع معدل النمو الاقتصادي من 4,9% في 2025 إلى 4,4% في 2026، قبل أن يهبط إلى 2,9% في 2027. ويعود هذا التباطؤ بشكل رئيسي إلى تراجع أداء القطاع الفلاحي، حيث من المرتقب أن تنمو القيمة المضافة الفلاحية بنسبة 16% في 2026 (بفضل محصول حبوب يقدر بـ93 مليون قنطار)، قبل أن تتراجع بنسبة 7,6% في 2027 مع افتراض عودة الإنتاج إلى متوسط 50 مليون قنطار. أما الأنشطة غير الفلاحية، فمن المتوقع أن يتباطأ نموها من 4,5% في 2025 إلى 3,1% في 2026، ثم يرتفع إلى 4% في 2027.
وعلى الرغم من هذا التباطؤ، يواصل سوق الشغل إظهار مرونة ملحوظة، إذ تم خلق 406 آلاف فرصة عمل جديدة خلال الفصل الثاني من 2026، مما ساهم في انخفاض معدل البطالة إلى 9,5% على المستوى الوطني (11,9% في المدن و5,4% في القرى).
التحديات الخارجية: عجز الحساب الجاري وارتفاع فاتورة الطاقة
تشكل التطورات الخارجية أحد أبرز مصادر القلق بالنسبة للاقتصاد المغربي. فمن المتوقع أن يتسع عجز الحساب الجاري من 2,4% من الناتج الداخلي الإجمالي في 2025 إلى 4,6% في 2026، قبل أن يتراجع إلى 3% في 2027. ويعزى هذا الارتفاع إلى الزيادة الحادة في فاتورة الطاقة التي قد تصل إلى 138,1 مليار درهم في 2026 (بزيادة 28,4%)، بالإضافة إلى استمرار ارتفاع واردات المواد الأولية والسلع التجهيزية. وفي المقابل، من المرتقب أن تواصل صادرات السيارات تعافيها التدريجي، بينما ستنمو مبيعات الفوسفات ومشتقاته بنسبة 9,7% في 2026 و12,1% في 2027، مدعومة بارتفاع أسعار الأسمدة عالمياً.
كما ستستفيد المالية الخارجية من استمرار تدفق تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج (136,3 مليار درهم في 2027) ومداخيل السياحة (160 مليار درهم)، مما سيساعد على تعزيز احتياطيات النقد الأجنبي التي ستبلغ 502,8 مليار درهم نهاية 2026، أي ما يعادل خمسة أشهر ونصف من الواردات.
السياسة النقدية والائتمان البنكي: تحولات مرتقبة
على صعيد الظروف النقدية، يتوقع بنك المغرب أن يرتفع الطلب على السيولة من طرف البنوك تدريجياً ليصل إلى 168,2 مليار درهم في 2027، نتيجة لزيادة تداول الأوراق النقدية. كما من المرتقب أن يتسارع نمو الائتمان البنكي الموجه للقطاع غير المالي من 4,8% في 2025 إلى 8,1% في 2026، قبل أن يتراجع إلى 6,1% في 2027. أما سعر الصرف الفعلي الحقيقي للدرهم، فبعد ارتفاعه بنسبة 2% في 2025، يُتوقع أن يتراجع بنسبة 4,1% في 2026 و2% في 2027، مع تأكيد بنك المغرب على أن قيمة العملة الوطنية تظل متوافقة مع الأساسيات الاقتصادية.
المالية العامة: عجز مضبوط رغم الضغوط
على مستوى المالية العمومية، سجلت مداخيل الدولة العادية ارتفاعاً بنسبة 9,6% خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، مدفوعة أساساً بالمداخيل الضريبية، بينما ارتفعت النفقات الإجمالية بنسبة 10,5% نتيجة لزيادة نفقات السلع والخدمات وخدمة الدين. وبالنظر إلى هذه المعطيات، وإلى قانون المالية 2026 والبرمجة الميزانياتية الثلاثية 2026-2028، يتوقع بنك المغرب أن يصل عجز الميزانية (باستثناء عائدات تفويت المشاركات) إلى 3,4% من الناتج الداخلي الإجمالي في 2026 و3,5% في 2027.
خلاصة: قرار متوازن في انتظار وضوح الرؤية
يبدو أن قرار تثبيت سعر الفائدة الرئيسي عند 2,25% يعكس مقاربة استباقية من طرف بنك المغرب، تقوم على مراقبة دقيقة للمؤشرات الاقتصادية العالمية والمحلية دون التسرع في تغيير الاتجاه النقدي. ففي ظل استمرار حالة عدم اليقين التي تحيط بالاقتصاد العالمي، يبقى الحفاظ على استقرار الأسعار ودعم النمو الشامل أولوية قصوى، مع الإبقاء على هامش للتدخل في حال ظهور بوادر تضخمية مفاجئة. وبالتالي، يظل المستثمرون والفاعلون الاقتصاديون في انتظار الاجتماعات المقبلة لبنك المغرب لالتقاط أي إشارات جديدة حول مسار السياسة النقدية في المرحلة القادمة.
التعليقات (0)
اترك تعليقك