وزير حقوق الإنسان في المغرب: دعوة ملحة لإنقاذ الحقوق من “اليتم” الحكومي
في ظل المشاورات الجارية لتشكيل الحكومة المغربية الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، عاد الجدل حول وزير حقوق الإنسان في المغرب إلى الواجهة بقوة. فقد أطلق مصطفى الرميد، وزير الدولة السابق المكلف بحقوق الإنسان، نداءً عاجلاً لإحداث منصب وزاري مستقل يُعنى بحقوق الإنسان، محذراً من أن غياب هذا المنصب سيؤدي إلى “يتم” القضايا الحقوقية داخل المجلس الحكومي. وتأتي هذه الدعوة في وقت حساس يتطلب تحقيق توازن دقيق بين حماية النظام العام وصيانة الحقوق والحريات.
خلفية المطالبة: لماذا الآن؟
تأتي مطالبة الرميد في سياق سياسي حساس، حيث تستعد الحكومة الجديدة لإعلان تشكيلتها وبرنامجها. ويستند الرميد في دعوته إلى مقتضيات الدستور المغربي لسنة 2011، وتحديداً الفصل 92 الذي ينص على تداول المجلس الحكومي في النصوص والقضايا الراهنة المتعلقة بحقوق الإنسان والنظام العام. ويرى أن وجود وزير مختص هو الضمانة الوحيدة لضمان حضور هذه القضايا في النقاشات الحكومية.
ويشير الرميد إلى أن الحكومة السابقة ارتكبت خطأً باستغنائها عن منصب الوزير المكلف بحقوق الإنسان، خلافاً لحكومة سعد الدين العثماني التي ضمت وزيراً مختصاً. ويستحضر واقعة إعداد مسودة التصريح الحكومي لحكومة العثماني، حيث جاءت الصيغة الأولى خالية من أي إشارة إلى الديمقراطية وحقوق الإنسان، قبل أن يتدخل الوزير المختص لإعادة صياغتها وإدراج محور “دعم الخيار الديمقراطي ومبادئ دولة الحق والقانون”.
المجلس الوطني لحقوق الإنسان: انتقادات وتراجع
لم يقتصر نقد الرميد على غياب المنصب الوزاري، بل امتد ليشمل أداء المجلس الوطني لحقوق الإنسان. فبالرغم من المبادرات التي اضطلع بها منذ تأسيسه، يرى الرميد أن المجلس أصابه “الاسترخاء والغياب عن الفعل الحقوقي الفعال”، وأنه “انكمش على نفسه وغاب دوره في حماية الحقوق والحريات”. هذه الانتقادات تثير تساؤلات حول فعالية المؤسسات الحقوقية القائمة، وتعزز الحجة بضرورة وجود وزير يتولى الدفاع عن هذه القضايا داخل الحكومة.
دور المندوبية الوزارية: تنسيق بلا صلاحيات
يوضح الرميد أن دور المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان يظل محصوراً في التنسيق بين القطاعات الحكومية لإعداد التقارير الدورية والتفاعل مع الآليات الأممية، دون أن يعوض وجود مسؤول حكومي يتولى الدفاع عن قضايا حقوق الإنسان داخل المجلس الحكومي. وهذا التمييز مهم بين الدور التقني للمندوبية والدور السياسي الذي يمكن أن يلعبه وزير كامل الصلاحيات.
منطق “القبعة” في المجلس الحكومي
يشرح الرميد أن النقاشات داخل المجلس الحكومي تخضع غالباً لما وصفه بـ”منطق القبعة”، حيث يدافع كل وزير عن القطاع الذي يشرف عليه. وفي غياب وزير يحمل “قبعة حقوق الإنسان”، حتى لو كان إلى جانب قطاع آخر قريب مثل وزارة العدل، فإن القضايا الحقوقية ستتعرض للتهميش. ويضرب مثالاً بوزير الداخلية الذي يحمي النظام العام بصلاحياته الواسعة ومكانته البروتوكولية، متسائلاً: “إذا كان للنظام العام رب يحميه ويدافع عنه، فإن حقوق الإنسان تستحق أن يتولى شأنها وزير من مكانة رفيعة وغيرة مشهودة”.
السياق الدولي: تصنيف المغرب كديمقراطية هجينة
يستند الرميد في تحليله إلى تصنيف المغرب ضمن البلدان ذات “الديمقراطية الهجينة”، معتبراً أن المملكة “ليست بلداً ديمقراطياً صرفاً، ولا هي بالدولة الاستبدادية المغلقة”. وهذا التصنيف، الذي تصدره مؤسسات دولية مثل وحدة الاستخبارات الاقتصادية، يضع المغرب في منطقة رمادية تتطلب جهوداً مضاعفة على المستويين الرسمي والمدني للانتقال إلى مصاف الديمقراطيات الكاملة. ويرى الرميد أن وجود وزير لحقوق الإنسان يمكن أن يكون أداة فعالة في هذا الانتقال.
تأثير غياب الوزير على السياسات العمومية
يحذر الرميد من أن غياب وزير يحمل حقيبة حقوق الإنسان سيؤدي إلى تهميش القضايا الحقوقية في النقاشات الحكومية وتدبير السياسات العمومية. فبدون وجود مسؤول حكومي يثير هذه القضايا ويدافع عنها، قد تغيب الاعتبارات الحقوقية من قرارات حساسة تتعلق بالحريات العامة، والحق في التجمع، وحرية التعبير، وغيرها من الحقوق الأساسية.
السلطة المعنوية: سلاح الوزير الحقوقي
يقر الرميد بأن الوزير المكلف بحقوق الإنسان لا يتوفر بالضرورة على سلطات تنفيذية واسعة، لكنه يتمتع بـ”سلطة معنوية” يمكن توظيفها للتأثير في أداء القطاعات الحكومية. هذه السلطة المعنوية، المستمدة من الطبيعة الأخلاقية لقضايا حقوق الإنسان، تمنح الوزير القدرة على إثارة النقاشات وإبقاء القضايا الحقوقية حاضرة في مختلف القرارات. ويشير إلى أن الوزير قد يواجه صعوبات في التعامل مع بعض القطاعات، لكن الشجاعة والقوة الكافيتين يمكن أن تسمح له بتحقيق تأثير ملموس.
ردود الفعل: بين التأييد والانتقاد
أثارت دعوة الرميد ردود فعل متباينة على مواقع التواصل الاجتماعي. فبينما أيد بعض المعلقين فكرة وجود وزارة لحقوق الإنسان باعتبارها ضرورة لوقف “هضم الحقوق” في قطاعات أخرى، رأى آخرون أنها مجرد عبء إضافي على المال العام دون فائدة تذكر. وانتقد البعض الرميد نفسه، متسائلين عن إنجازاته خلال فترة توليه وزارة العدل، بينما اقترح آخرون أسماء بديلة لتولي المنصب.
خلاصة: نحو مؤسسة حقوقية فاعلة
في النهاية، يبقى السؤال مطروحاً: هل يحتاج المغرب إلى وزير حقوق الإنسان في المغرب لضمان حماية الحقوق والحريات؟ الإجابة قد تكون نعم، إذا كان هذا الوزير قادراً على تجاوز العقبات البيروقراطية وفرض حضور القضايا الحقوقية في صنع القرار. لكن الأمر لا يتوقف على وجود المنصب وحده، بل على إرادة سياسية حقيقية لترجمة الخطاب الحقوقي إلى ممارسات ملموسة. ولمتابعة آخر التطورات السياسية في المغرب، يمكنكم زيارة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك