عاجل

الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بتلوث الهواء في المغرب: دراسة تكشف دقة التوقعات قصيرة المدى

الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بتلوث الهواء في المغرب: دراسة تكشف دقة التوقعات قصيرة المدى

الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بتلوث الهواء في المغرب: بين الآمال والتحديات

في ظل تزايد المخاوف الصحية المرتبطة بجودة الهواء، يبرز الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بتلوث الهواء في المغرب كأداة واعدة لتحسين أنظمة الإنذار المبكر. دراسة علمية حديثة نشرت في مجلة الذكاء الاصطناعي العلمية «Scientific Reports» بمشاركة باحثين من جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، كشفت أن نماذج التعلم الآلي قادرة على تقديم توقعات دقيقة على المدى القصير، لكن فعاليتها تتراجع مع زيادة أفق التوقع. هذه النتائج تفتح آفاقاً جديدة لمراقبة جودة الهواء في المدن المغربية، مع التأكيد على أهمية البيانات الموثوقة.

تفاصيل الدراسة: أكثر من 206 ألف مشاهدة لتحليل دقة التنبؤ

أجرى الفريق البحثي، الذي ضم محمد بنيس وراشدة المرابط ومحمد يوسفي من جامعة الحسن الثاني، إلى جانب خبراء من بلجيكا والسعودية، تحليلاً شاملاً لبيانات 206,184 مشاهدة نصف ساعية من ثلاث محطات لمراقبة جودة الهواء في مدينة شارلروا البلجيكية بين 2020 و2023. ركزت الدراسة على الجسيمات الدقيقة PM2.5 وPM10، المعروفة بتأثيرها الضار على الجهاز التنفسي. تمت مقارنة عدة نماذج تعلم آلي مثل الغابات العشوائية وأشجار القرار والتعزيز التدريجي والشبكات العصبية، بهدف قياس قدرتها على التنبؤ بمؤشر جودة الهواء.

نتائج متباينة: دقة عالية للساعة الواحدة وتراجع حاد بعد 24 ساعة

أظهرت النتائج أن أداء الذكاء الاصطناعي يعتمد بشكل كبير على أفق التوقع. ففي التوقعات للساعة الواحدة، حققت النماذج معاملات تحديد R² تتراوح بين 0.857 و0.920، مما يشير إلى قدرة جيدة على تفسير التغيرات. لكن عند التوقع لست ساعات، انخفضت المعاملات إلى ما بين 0.551 و0.641، ولـ24 ساعة تراجعت إلى 0.270-0.335. هذا التراجع يبرز أن الذكاء الاصطناعي يمكنه التنبؤ بالتقلبات الفورية، لكنه يجد صعوبة في التوقعات المتوسطة والطويلة المدى.

كما حذر الباحثون من أن النتائج العالية جداً (تتجاوز 0.999) التي حصلت عليها بعض النماذج عند استخدام بيانات آنية لا تعكس قدرة تنبؤية حقيقية، بل مجرد دقة في حساب المؤشر من بيانات متزامنة. وهذا التمييز مهم لتجنب المبالغة في تقييم إمكانيات الذكاء الاصطناعي.

نحو أنظمة إنذار أكثر استجابة لتلوث الهواء

رغم هذه القيود، تفتح النتائج آفاقاً واعدة لإدارة جودة الهواء في المدن. فالذكاء الاصطناعي يمكنه تحليل كميات هائلة من البيانات بسرعة للكشف عن اتجاهات تدهور الأحوال الجوية، مما يساعد السلطات على تعزيز المراقبة وإصدار توصيات صحية للفئات الهشة كالأطفال وكبار السن ومرضى الجهاز التنفسي. كما يمكن للنماذج دمج عوامل متعددة مثل البيانات الجوية وحركة المرور والانبعاثات الصناعية والتغيرات الموسمية.

لكن استخدام هذه التقنيات في أنظمة الإنذار يتطلب تحققاً إضافياً، إذ لا يكفي أن يقدم النموذج توقعات جيدة في المتوسط، بل يجب أن يكون قادراً على رصد الحالات الاستثنائية ذات المخاطر الصحية العالية. كما أشار الباحثون إلى وجود بعض التناقضات في البيانات الأولية استلزمت معالجة تصحيحية، ما يستدعي تأكيد النتائج ببيانات موثقة من هيئات المراقبة.

آفاق تطبيق الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بتلوث الهواء في المغرب

على الرغم من أن الدراسة أجريت على بيانات بلجيكية، فإنها تحمل أهمية خاصة للمغرب نظراً لمشاركة باحثين مغاربة. في المدن الكبرى كالدار البيضاء والرباط وطنجة، حيث تسهم حركة المرور والأنشطة الصناعية في تلوث الهواء، يمكن لتقنيات التنبؤ أن تكون أداة مكملة لأنظمة المراقبة الحالية. وتهدف هذه الجهود إلى تطوير نماذج ملائمة لخصائص كل منطقة، مع مراعاة الظروف الجوية ومصادر الانبعاثات المحلية وتوافر البيانات.

وفي هذا السياق، أشارت دراسة أخرى أجريت في مدينة المحمدية ونشرت عام 2026 إلى إمكانية استخدام أساليب تجمع بين التعلم الآلي والمعالجة الرياضية للسلاسل الزمنية للتنبؤ بتركيزات PM2.5 وPM10، مع تسليط الضوء على محدودية الاعتماد على محطة واحدة. هذه الأبحاث تؤكد أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجال جودة الهواء لم تعد نظرية، بل أصبحت واقعاً بحثياً في المغرب.

يبقى التحدي الأكبر هو كيفية دمج هذه الأساليب في أنظمة المراقبة الوطنية والإعلام العام، إذ تتطلب موثوقية البيانات توفير مشاهدات منتظمة وممثلة وخاضعة للتحقق. كما يستلزم تطوير هذه الأدوات تعاوناً بين خبراء الذكاء الاصطناعي وعلماء الأرصاد الجوية ومتخصصي جودة الهواء والسلطات الصحية.

في المحصلة، تدعو نتائج الدراسة إلى قراءة متوازنة لوعود الذكاء الاصطناعي في مكافحة تلوث الهواء. فالخوارزميات يمكنها تحسين القدرة على التنبؤ، خاصة على المدى القصير، لكنها لا تغني عن محطات القياس ولا عن النماذج العلمية ولا عن سياسات خفض الانبعاثات. ويبقى التحدي بالنسبة للباحثين والسلطات هو تحويل هذه التطورات التقنية إلى أدوات تشغيلية تنتج إنذارات موثوقة ومفيدة للسكان. وللمزيد من الأخبار والتقارير العلمية، يمكنكم زيارة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.

التعليقات (0)

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.