حكومة فاطمة الزهراء المنصوري: عندما ينتقل اليسار من المعارضة إلى قيادة القطاعات الاجتماعية
تشكل حكومة فاطمة الزهراء المنصوري نقطة تحول حاسمة في المشهد السياسي المغربي، خاصة مع انضمام حزبي الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية إلى الجهاز التنفيذي بعد سنوات من المعارضة. هذا الانتقال يضع الحزبين أمام اختبار غير مسبوق: تحويل خطابهما النقدي إلى سياسات عمومية ملموسة تلامس حياة المواطنين اليومية. فهل ينجح اليسار الحكومي في تجاوز شعارات المعارضة إلى إنجازات ميدانية؟
من نقد السياسات إلى تنفيذها: مفارقة اليسار في الحكومة
لطالما بنى حزب الاتحاد الاشتراكي (الوردة) وحزب التقدم والاشتراكية (الكتاب) شرعيتهما على انتقاد التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية، والمطالبة بعدالة مجالية وحماية اجتماعية شاملة. اليوم، وهما يتوليان حقائب وزارية حساسة مثل الصحة والتعليم والشغل والإدماج الاجتماعي، يجدان نفسهما أمام مسؤولية تاريخية: إثبات أن البدائل التي طرحاها قابلة للتطبيق. ويؤكد خبراء السياسة أن هذا التحول يفرض عليهما الانتقال من شرعية الخطاب إلى شرعية الإنجاز، حيث سيُقاس نجاحهما بجودة الخدمات العمومية وتحسن القدرة الشرائية، وليس ببلاغة التصريحات.
القطاعات الاجتماعية: ساحة المعركة الحقيقية
تولي الحزبين قطاعات تمس مباشرة حياة المغاربة، مما يضاعف من حجم التحدي. فالصحة والتعليم والتشغيل ليست ملفات هامشية، بل هي جوهر العلاقة بين المواطن والدولة. ويشير المحللون إلى أن أي تراجع في هذه القطاعات سيكون له أثر انتخابي فوري، خاصة أن الناخب المغربي أصبح أكثر وعياً بمصادر المسؤولية. وفي هذا السياق، تبرز إشكالية التوفيق بين الهوية الإيديولوجية للحزبين ومتطلبات التضامن الحكومي المنصوص عليه في الفصل 93 من الدستور، والذي يلزم الوزراء بتنفيذ السياسة العامة للحكومة وليس فقط برامج أحزابهم.
المساءلة المزدوجة: الحصيلة والذاكرة السياسية
يواجه حزبا اليسار ضغطاً مضاعفاً مقارنة ببقية مكونات الأغلبية، لأنهما محكومان بما يمكن تسميته المساءلة المزدوجة: مساءلة النتائج الحكومية من جهة، ومساءلة خطابهما المعارض السابق من جهة أخرى. فكل تراجع عن وعود سابقة سيسجل ضدهما، وكل إنجاز سيحسب لهما. ويحذر أساتذة العلوم السياسية من ما يسمونه مفارقة اليسار الحكومي، أي الدفاع عن العدالة الاجتماعية نظرياً مع تبني اختيارات تدبيرية قد تتعارض مع تلك المبادئ، مما قد يؤدي إلى تآكل الثقة في العمل الحزبي نفسه.
دروس من تجارب سابقة: هل يتكرر سيناريو الإحباط؟
تاريخياً، شهدت دول عديدة مشاركة أحزاب يسارية في حكومات ائتلافية، لكن النتائج تفاوتت بين نجاحات محدودة وإخفاقات مدوية. في المغرب، يرى مراقبون أن العبرة ليست في عدد الحقائب الوزارية، بل في القدرة على التأثير في التوجهات الكبرى للسياسات العمومية. ويستشهدون بتجارب سابقة حيث تحولت المشاركة إلى مجرد إدارة للقطاعات دون بصمة إصلاحية واضحة، مما أدى إلى خيبات أمل لدى القواعد الشعبية. ولتجنب هذا المصير، يتعين على الحزبين بناء تحالفات داخل الحكومة لدفع أجندتهما الاجتماعية، مع الحفاظ على استقلالية هويتهما السياسية.
مؤشرات النجاح: ماذا ينتظر المغاربة؟
لقياس مدى نجاح تجربة اليسار في حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، يمكن رصد عدة مؤشرات عملية:
- تحسين جودة الخدمات الصحية: تقليص فترات الانتظار في المستشفيات العمومية، وتعميم التغطية الصحية الشاملة.
- إصلاح منظومة التعليم: الحد من الهدر المدرسي، وتحسين ظروف العمل للمدرسين، وتحديث المناهج.
- تعزيز الحوار الاجتماعي: إبرام اتفاقيات اجتماعية فعلية مع النقابات، وزيادة الأجور والحد من البطالة.
- العدالة المجالية: تقليص الفوارق بين المناطق الحضرية والقروية في الوصول إلى الخدمات الأساسية.
هذه المؤشرات ستكون اختباراً حقيقياً لمصداقية الوعود، وسيترجمها المواطنون في صناديق الاقتراع المقبلة.
خلاصة: رهان الثقة والإنجاز
إن مشاركة اليسار في الحكومة ليست مجرد مناورة سياسية، بل هي رهان على قدرة الأحزاب على التجدد والتفاعل مع انتظارات المواطنين. فإذا نجح حزبا الوردة والكتاب في تحقيق إصلاحات ملموسة، فقد يعيدان الثقة في العمل الحزبي وفي جدوى التناوب السياسي. أما إذا غلب عليهما التدبير الروتيني وتناسيا مرجعيتهما الاجتماعية، فإن الخسارة قد تتجاوز الانتخابات إلى تآكل الثقة في المؤسسات بأكملها. وللمزيد من التحليلات السياسية، تابعوا الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
للمزيد حول مفهوم الديمقراطية الاجتماعية، يمكنكم الاطلاع على هذا الرابط.
التعليقات (0)
اترك تعليقك