خلاف برلماني في مجلس المستشارين حول قانون المالية 2027 يشعل أول جلسة أسئلة شفهية
شهد مجلس المستشارين، خلال الدورة التشريعية الخريفية، أول جلسة عامة للأسئلة الشفهية توتراً حاداً بين أعضاء من الفريق الحركي والفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية، بسبب مصادقة الحكومة على مشروع قانون المالية لسنة 2027 قبل تنصيبها من طرف البرلمان. هذا الخلاف البرلماني في مجلس المستشارين حول قانون المالية 2027 أدى إلى رفع الجلسة لعدة دقائق، في مشهد يعكس حساسية المرحلة الدستورية التي يعيشها المغرب.
انطلق الجدل عندما أثار يحفظه بنمبارك، عضو الفريق الحركي، نقطة نظام انتقد فيها مصادقة المجلس الحكومي على مشروع قانون المالية قبل تنصيب الحكومة، معتبراً أن ذلك يشكل “لحظة دستورية عصيبة” و”تأويلاً غير ديمقراطي للدستور”. وأوضح أن الحكومة الجديدة بادرت، قبل أن يجف حبر تعيينها، إلى المصادقة على المشروع وإحالته على البرلمان، وهو ما يعتبره خرقاً للفصل 88 من الدستور.
نقطة نظام تتحول إلى سجال حاد بين المستشارين
اعترض رئيس الجلسة، عبد القادر سلامة، على إثارة هذه النقطة، معتبراً أنها لا تندرج ضمن ما يتعلق بتسيير الجلسة، غير أن بنمبارك تمسك بمواصلة مداخلته. وعقب هذا السجال، حاول عبد القادر الكيحل، عن الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية، الرد على نقطة النظام، وهو ما رفضه بنمبارك قائلاً: “لا يجب أن يجيبني (الكيحل) عن نقطة نظام”. ورد الكيحل بأن الجلسة مخصصة للأسئلة الشفهية، مضيفاً: “نحن في جلسة للأسئلة الشفهية”، وتابع مخاطباً بنمبارك: “ليس لك الحق في أن تحجبنا، ومن لديه مشكل في انتخابات، أو في جهة ما، لا يجب أن يطرحها هنا بمجلس المستشارين”.
أمام استمرار الجدل، اضطر رئيس الجلسة إلى رفع الجلسة لمدة خمس دقائق، قبل أن تستأنف أعمالها. هذا التصعيد يعكس عمق الخلاف البرلماني في مجلس المستشارين حول قانون المالية 2027، ويطرح أسئلة حول حدود النقاش الدستوري داخل قبة البرلمان.
رد الحكومة: توضيح دستوري أم مراوغة سياسية؟
بعد استئناف الجلسة، ردّت الوزيرة المنتدبة لدى رئيسة الحكومة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني، قلوب فيطح، على ما أثاره المستشار الحركي، معتبرةً أن نقطة النظام تتعلق بادعاء خرق الحكومة لمقتضيات الفصل 88 من الدستور. وشددت على ضرورة قراءة هذا الفصل في ارتباط بمقتضيات الفصل 87، الذي يحيل على القانون التنظيمي المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة.
وأضافت أن هذا القانون التنظيمي حدد للحكومة الجديدة مجموعة من الصلاحيات بموجب المادتين 37 و38، معتبرة أن فهم الوضعية الدستورية للحكومة يقتضي التمييز بين سلطة التعيين وسلطة التنصيب. وقالت: “أكيد هناك فرق بين سلطة التعيين وسلطة التنصيب؛ فإذا كانت الأولى اختصاصاً حصرياً للملك بموجب الفصل 47 من الدستور، فبموجبها تكتسب الحكومة الشرعية الدستورية قانوناً”.
واستحضرت الوزيرة قراراً سابقاً للمجلس الدستوري يحمل رقم 931/13، موضحة أنه خلص إلى أن التنصيب أو الشرعية الدستورية قائمة للحكومة، وأن سلطة التنصيب تنصب على تركيبتها وليس على تشكيلتها. وتابعت أنه “ليس هناك أي مقتضى، سواء في النظام الداخلي أو الدستور، يمنع الحكومة من إيداع مشروع قانون المالية داخل الأجل القانوني”، متسائلة عما كان سيحدث لو لم تلتزم الحكومة بإيداع المشروع قبل 20 أكتوبر.
قراءة في الخلفيات الدستورية والسياسية للأزمة
يطرح هذا الخلاف البرلماني تساؤلات حول حدود صلاحيات الحكومة الجديدة قبل تنصيبها، خاصة في ظل غياب نص صريح يحسم الجدل. ويرى مراقبون أن الحكومة استندت إلى قرار المجلس الدستوري رقم 955/15 الذي تناول حالة الضرورة القصوى، وخلص إلى أن الحكومة الجديدة تتقاطع بعض اختصاصاتها وصلاحياتها مع اختصاصات حكومة تصريف الأعمال، ولا يوجد أي مانع قانوني يحول دون إيداع مشروع قانون المالية لدى مجلس النواب قبل تنصيب الحكومة من طرف المجلس.
في المقابل، يعتبر الفريق الحركي أن مصادقة الحكومة على مشروع قانون المالية قبل التنصيب تشكل تجاوزاً دستورياً، ويطالب باحترام مبدأ الفصل بين السلطات. هذا التباين في القراءات يعكس خلافاً برلمانياً في مجلس المستشارين حول قانون المالية 2027 قد يمتد إلى جلسات أخرى، خاصة مع اقتراب مناقشة المشروع داخل اللجان.
- الفصل 88 من الدستور: يحدد إجراءات المصادقة على قانون المالية.
- الفصل 87: يحيل على القانون التنظيمي لتنظيم وتسيير أشغال الحكومة.
- قرار المجلس الدستوري 931/13: يميز بين سلطة التعيين وسلطة التنصيب.
- قرار المجلس الدستوري 955/15: يتناول حالة الضرورة القصوى وتقاطع اختصاصات الحكومة الجديدة مع حكومة تصريف الأعمال.
للاطلاع على السياق الدستوري المغربي، يمكن الرجوع إلى دستور المغرب 2011 على ويكيبيديا. كما يمكن متابعة آخر المستجدات السياسية على الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
تداعيات الخلاف على العمل البرلماني والمشهد السياسي
يأتي هذا الخلاف في وقت حساس، حيث ينتظر أن ينكب البرلمان على مناقشة مشروع قانون المالية 2027، الذي يحمل إجراءات اقتصادية واجتماعية هامة. ويرى محللون أن استمرار التوتر بين الفرق البرلمانية قد يعرقل مسار المصادقة على المشروع، خاصة إذا تحول الخلاف الدستوري إلى عرقلة إجرائية. كما أن رفع الجلسة في أول يوم من الدورة الخريفية يبعث برسالة سلبية عن قدرة المؤسسة التشريعية على تجاوز الخلافات.
من جهة أخرى، يبرز هذا الحدث أهمية الخلاف البرلماني في مجلس المستشارين حول قانون المالية 2027 كقضية تلامس جوهر التوازن بين السلط. فبينما تدافع الحكومة عن شرعيتها الدستورية المستمدة من التعيين الملكي، يتمسك البرلمانيون بضرورة احترام الإجراءات الدستورية. ويبقى الرهان على قدرة المؤسسات على استيعاب هذا التوتر وإيجاد صيغ توافقية تضمن استمرارية الدولة.
في انتظار ما ستسفر عنه الجلسات المقبلة، يبقى السؤال: هل سيشكل هذا الخلاف سابقة دستورية تعيد تعريف العلاقة بين الحكومة والبرلمان، أم أنه مجرد زوبعة سياسية ستنطفئ مع أول تصويت على مشروع قانون المالية؟
التعليقات (0)
اترك تعليقك