يشهد الاقتصاد المغربي تحولًا هيكليًا جذريًا مع تبني السلطات النقدية والمالية لنهج متأنٍ ومدروس تجاه إدارة سعر صرف الدرهم، والتحول التدريجي نحو سياسة نقدية تستهدف التضخم. هذه الخطوات تعكس وعيًا عميقًا بضرورة تحقيق الاستقرار الاقتصادي على المدى الطويل، وتجنب الصدمات المفاجئة التي قد تنتج عن قرارات اقتصادية متسرعة. تتجلى استراتيجية المغرب في تعويم الدرهم وتضخم الأسعار في رؤية واضحة تهدف إلى تعزيز مرونة الاقتصاد الوطني وقدرته على امتصاص التقلبات الخارجية.
أكد السيد عبد اللطيف الجواهري، والي بنك المغرب، بوضوح أن البلاد لم تبلغ بعد مرحلة التعويم الشامل للعملة. هذا التصريح، الذي جاء عقب اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي لتثبيت سعر الفائدة الرئيسي، يؤكد التزام المغرب بمنهجية تدريجية وحذرة. فالهدف الأساسي حاليًا هو “استهداف التضخم” كركيزة للسياسة النقدية، بدلاً من الاندفاع نحو تعويم كامل قد تكون له تداعيات غير مرغوبة على الاستقرار الاقتصادي والقدرة الشرائية للمواطنين.
مراحل استراتيجية المغرب في تعويم الدرهم وتضخم الأسعار: نظرة معمقة
يتفق المحللون الاقتصاديون والماليون على أن التصريحات الرسمية تعكس تفضيل المغرب لإدارة سعر صرف الدرهم ضمن سلة عملات مرجعية، والتي تتوزع حاليًا بين 60% يورو و40% دولار أمريكي. هذا لا يمنع توسيع نطاق تحرك العملة، ولكنه يضع حدًا للتعويم الشامل غير المنضبط. هذه المرونة المراقبة تسمح للسوق بالتكيف التدريجي مع المتغيرات الاقتصادية العالمية والمحلية.
لماذا التدرج هو الخيار الأمثل؟
- تجنب الصدمات الاقتصادية: النهج التدريجي يقي الاقتصاد من التقلبات الحادة التي قد تنتج عن تحرير سعر الصرف بشكل مفاجئ، مما يضمن استقرار المنظومة الاقتصادية ككل.
- تهيئة البيئة المالية: على مدى السنوات الماضية، عملت السلطات على تقوية البنية الاقتصادية والمالية من خلال خفض عجز الميزانية، وتعزيز احتياطيات النقد الأجنبي، وتدعيم متانة القطاع البنكي. هذه الإجراءات خلقت بيئة مؤسساتية ومالية قادرة على تحمل مرونة أكبر في سعر الصرف.
- تأهيل الفاعلين الاقتصاديين: يمنح التدرج الأبناك والشركات (مستوردين ومصدرين) الوقت الكافي لإتقان استخدام الأدوات المالية والمشتقات اللازمة للتحوط ضد مخاطر الصرف. هذا يتطلب تطوير القدرة على توقع تطورات الأسعار على المدى المتوسط، وهو ما لا يتأتى إلا بالوقت والخبرة الميدانية.
في 15 يناير 2018، أطلق المغرب المرحلة الأولى من إصلاح سعر الصرف بتوسيع نطاق تقلب الدرهم من ±0.3% إلى ±2.5%. هذا القرار اتخذ في ظرف اقتصادي مريح تميز باحتياطيات عملة أجنبية كافية، وتضخم ضمن حدود آمنة، وعجز خارجي تحت السيطرة. لم يقتصر الإصلاح على توسيع الهامش فحسب، بل شمل إصلاحات هيكلية في السوق النقدي.
التحول نحو استهداف التضخم: رؤية مستقبلية
تُشكل تصريحات والي بنك المغرب جزءًا من تحول استراتيجي أوسع في السياسة النقدية، ينتقل من التركيز على التحكم في سعر الصرف إلى اعتماد استهداف التضخم كأداة رئيسية لتوجيه السياسة النقدية. هذه المقاربة الحديثة تهدف إلى تعزيز شفافية السياسة النقدية وفعاليتها.
من المقرر أن تنطلق مرحلة تجريبية في سنة 2026، ستشمل بنك المغرب ووزارة المالية ومكتب الصرف والقطاع البنكي، بدعم تقني من صندوق النقد الدولي. تهدف هذه التجربة إلى اختبار الأدوات والآليات العملية التي تمكن البنك المركزي من استهداف معدل تضخم محدد ومراقبة استجابة السوق. سيمهد هذا الطريق للانتقال الفعلي والكامل إلى تفعيل نظام استهداف التضخم بحلول عام 2027.
تداعيات السياسة النقدية الجديدة
من المتوقع أن تُحدث هذه التجربة أثرًا مباشرًا على فعالية السياسة النقدية، حيث سيصبح سعر الفائدة الأداة الأساسية لتوجيه الاقتصاد وضبط التضخم، بدلاً من التركيز السابق على سعر الصرف. ستشهد الأسواق المالية والمقاولات فترة من التكيف مع متطلبات النظام الجديد، مما يستدعي حملات تكوين وتحسيس لتعزيز ثقافة التحوط المالي وفهم أفضل لهذه الأدوات.
يراقب بنك المغرب عن كثب التداعيات المحتملة لهذه المرحلة التجريبية، ولا سيما تطورات الأسعار، تقلبات السيولة، ورد فعل السوق تجاه قرارات الفائدة. كما سيرصد الأثر على القدرة الشرائية للمواطنين وتكاليف تمويل المقاولات، لتفادي أي انحرافات أو ضغوط تضخمية مفرطة. هذه المراقبة الدقيقة ستسمح بتصحيح المسار في الوقت المناسب، وتضمن توازنًا بين المرونة النقدية والاستقرار المالي.
على المدى المتوسط، يُرتقب أن تُسهم هذه المرحلة التجريبية في رفع ثقة المستثمرين في الدرهم المغربي، وتحسين قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجية، مما يعزز مرونته واستقراره المالي. هذه الخطوات تمهد لمرحلة ناضجة من استهداف التضخم، وتؤكد على التزام المغرب ببناء اقتصاد قوي ومستقر قادر على مواجهة التحديات المستقبلية. للمزيد من الأخبار الاقتصادية المحلية والعالمية، زوروا الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك