تشهد الساحة الاقتصادية المغربية حراكًا مكثفًا في الآونة الأخيرة، حيث باشرت المديرية العامة للضرائب حملة تدقيقات واسعة النطاق تستهدف عشرات التعاونيات، خاصة تلك العاملة في القطاعين الفلاحي والعقاري. تأتي هذه الخطوة الاستباقية في إطار جهود الدولة لضمان العدالة الجبائية ومحاربة أي تملص ضريبي قد يستغل الثغرات القانونية. ينصب التركيز الأكبر على التحقق من مدى التزام هذه الكيانات بـ شروط الإعفاء الضريبي للتعاونيات الفلاحية والعقارية المنصوص عليها في المدونة العامة للضرائب، والتي تعد امتيازًا لا يمنح تلقائيًا بل يخضع لضوابط صارمة.
لقد شملت عمليات الافتحاص مناطق حيوية مثل الدار البيضاء، الرباط، مراكش، طنجة، وفاس، مما يعكس شمولية الحملة وجدية مقاربة الإدارة الضريبية. الهدف الرئيس هو التأكد من أن التعاونيات التي تستفيد من الإعفاءات الضريبية تلتزم فعلاً بمعايير الأهلية المحددة، وأن أنشطتها تتماشى مع الغرض التعاوني الأصلي، بعيدًا عن أي استغلال غير مشروع لهذه الامتيازات.
لماذا تتدخل المديرية العامة للضرائب؟ فهم أسباب تدقيق التعاونيات
تُعتبر الإعفاءات الضريبية الممنوحة للتعاونيات أداة دعم هامة لتحفيز التنمية الاجتماعية والاقتصادية، لا سيما في القطاعين الفلاحي والعقاري. ومع ذلك، لاحظت السلطات وجود حالات قد تستغل فيها بعض التعاونيات هذه الامتيازات لأغراض تجارية بحتة أو لتحقيق أرباح لا تتماشى مع روح العمل التعاوني. لذلك، تهدف هذه التدقيقات إلى استعادة الثقة في النظام الجبائي وضمان تكافؤ الفرص بين جميع الفاعلين الاقتصاديين.
أكدت مصادر مطلعة أن المفتشين الضريبيين يركزون على طلب وثائق ومستندات حسابية إضافية، مثل الفواتير، وسندات الطلب، ومحاضر الجرد والتخزين، وحتى معاملات التصدير. هذه الإجراءات تهدف إلى بناء صورة واضحة ومفصلة عن العمليات المالية والتشغيلية للتعاونيات، والتأكد من توافقها التام مع الإطار القانوني والتنظيمي.
تفاصيل شروط الإعفاء الضريبي للتعاونيات الفلاحية والعقارية: دليل شامل
ليست كل التعاونيات مؤهلة للاستفادة من الإعفاء الضريبي. فالمدونة العامة للضرائب، وتحديدًا في المادتين 6-I-A-9° و7-I، تضع إطارًا دقيقًا لهذه الشروط. على سبيل المثال، الإعفاء من الضريبة على الشركات (IS) لا يُمنح بشكل آلي، بل يتطلب استيفاء معايير محددة تتعلق بطبيعة النشاط وهيكل الملكية وطرق التعامل مع الأعضاء.
أبرز شروط الاستفادة من الإعفاءات الضريبية للتعاونيات:
- الالتزام بالصفة القانونية: يجب أن تكون التعاونية قد أُحدثت وتعمل وفقًا لمقتضيات القانون 112-12 المتعلق بالتعاونيات. يتضمن ذلك فحص وثائق الإحداث، والاعتماد، والنظام الأساسي، للتأكد من استمرارية احترامها للشروط التعاونية وعدم انحرافها عن غرضها الأصلي. وقد تم بالفعل رفع الامتياز الجبائي عن تعاونيتين في جهتي مراكش-آسفي والدار البيضاء-سطات بسبب تملصهما من التزامات ضريبية هامة.
- مطابقة النشاط المصرح به بالنشاط الفعلي: يجب أن ينسجم النشاط المزاول فعليًا مع النشاط المصرح به. فمثلاً، التعاونيات المعفاة هي التي تقتصر أنشطتها على جمع وتسويق المواد الأولية المقدمة من أعضائها، أو تلك التي تقوم بتحويل هذه المواد في حدود ما يسمح به القانون. رصدت المصالح الضريبية تعاونيتين مخالفتين في ابن سليمان والجديدة بسبب أنشطة موازية وغير مصرح بها وخاضعة للضريبة.
- مصدر المواد الأولية: يُشترط أن تكون المواد الأولية المستغلة مصدرها حصريًا من الأعضاء المنخرطين. يتدقق المراقبون في فواتير وسجلات التوريد ولوائح المنخرطين لضمان عدم اقتناء المواد من غير الأعضاء.
- سقف رقم المعاملات للتعاونيات المحولة: بالنسبة للتعاونيات التي تقوم بتحويل المواد الأولية عبر عمليات صناعية، يشترط ألا يتجاوز رقم معاملاتها السنوية 10 ملايين درهم قبل احتساب الضريبة على القيمة المضافة للاستفادة من الإعفاء. وتركز التدقيقات الجارية على التأكد من احترام سقف 5 ملايين درهم (خارج الرسوم) لبعض أنواع التعاونيات المحولة، ومقارنة التصريحات الجبائية بالمعطيات المحاسبية والفعلية.
عواقب عدم الامتثال: حالات رصدتها التدقيقات الضريبية
كشفت التدقيقات الضريبية عن تورط بعض الوحدات متعددة الأنشطة في اختلالات تتعلق بالتوزيع الصحيح لأرقام معاملاتها. فقد عمدت هذه التعاونيات إلى تمديد خصومات وإعفاءات غير مستحقة إلى أنشطة خاضعة للضريبة ولا يشملها الإعفاء، مما أدى إلى فقدانها لامتيازاتها الجبائية وتعرضها لعقوبات مالية.
إن هذه الحملة تؤكد على الأهمية القصوى للامتثال الضريبي بالنسبة للتعاونيات. فالتزامها التام بـ المدونة العامة للضرائب والقوانين المنظمة للقطاع التعاوني هو السبيل الوحيد للحفاظ على امتيازاتها ودعم دورها التنموي.
في الختام، يجب على كل تعاونية عاملة في المغرب، خاصة الفلاحية والعقارية، أن تراجع بدقة جميع أنشطتها وتصريحاتها الجبائية لضمان توافقها مع القوانين المعمول بها. إن الفهم الدقيق لـ شروط الإعفاء الضريبي للتعاونيات الفلاحية والعقارية ليس مجرد التزام قانوني، بل هو حماية لاستمرارية العمل التعاوني وتفاديًا لأي مفاجآت غير سارة قد تنتج عن التدقيقات المستقبلية. لمزيد من الأخبار والتحليلات الاقتصادية، زوروا الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك