في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها المنطقة، تتجلى مواقف بعض الأنظمة كعامل حاسم في تحديد مسارات الصراعات الإقليمية. وضمن هذا السياق، تبرز تداعيات موقف النظام الجزائري من الصحراء المغربية كقضية محورية لا تقتصر آثارها على الملف ذاته، بل تمتد لتطال البنية الداخلية للبلاد وموقعها على الساحة الدولية. فبينما تحاول الجزائر تقديم نفسها كملاحظ محايد في المفاوضات الجارية حول القضية، يؤكد الخبراء أن هذا التموضع لا يعكس حقيقة انخراطها العميق وتأثيرها المباشر في تعقيد الملف.
أشار أمين صوصي علوي، الباحث المتخصص في الإعلام والقضايا الجيوسياسية، إلى أن سعي النظام الجزائري لإظهار الحياد هو مجرد واجهة إعلامية لا تتناسب مع مشاركته الفعلية في الموائد المستديرة واعترافه الضمني بطرفيته في النزاع. هذا التناقض يكشف عن هشاشة في الخطاب الرسمي، ويدفع إلى التساؤل عن الأسباب الحقيقية وراء هذا التستر.
النظام الجزائري: بين تكتيك المراوغة وحتمية الواقع
لا يمكن فصل الموقف الجزائري من قضية الصحراء المغربية عن سلوكه العام في السياسة الخارجية، والذي يتسم بالتقلب والتحول وفقاً للمصالح الآنية بدلاً من المبادئ الثابتة. وقد وصف صوصي علوي النظام الجزائري بأنه من “أجبن الأنظمة” التي تغير مواقفها حتى في القضايا الدولية الكبرى، مستدلاً على ذلك بتغير موقفه في الأزمة الأوكرانية لصالح الأوروبيين، على الرغم من ادعائه التحالف مع موسكو. هذا النمط السلوكي يضعف من مصداقية الجزائر كفاعل إقليمي موثوق.
إن التنزيل التقني لقرارات مجلس الأمن، والذي يهدف إلى إيجاد حل واقعي وعملي لقضية الصحراء، يمثل تحدياً وجودياً للنظام الجزائري. فشرعية هذا النظام، كما يرى الكثير من المحللين، ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بمعاكسة المملكة المغربية في هذا الملف. وبالتالي، فإن أي تقدم نحو حل يهدد بتقويض هذه الشرعية التي بنيت على أسس متوترة ومعادية.
تداعيات موقف النظام الجزائري من الصحراء المغربية على الشرعية الداخلية
تُعد العلاقة بين موقف النظام الجزائري من الصحراء المغربية وشرعيته الداخلية نقطة محورية تستدعي التحليل. فالسردية الإعلامية للنظام لطالما ركزت على شيطنة المغرب وتحميله مسؤولية جزء كبير من المشاكل الداخلية. هذا التوجه يخدم غرضاً مزدوجاً:
- توحيد الرأي العام: عبر خلق عدو مشترك يصرف الانتباه عن الأخطاء البنيوية ومشاكل الحكم.
- تبرير استمرار النفوذ: من خلال ربط بقاء النظام بقدرته على مواجهة هذا العدو المفترض.
لكن هذا النهج يحمل في طياته مخاطر جسيمة. فإذا ما انهار هذا الوهم، فإن شرعية النظام ستتآكل بسرعة، مما قد يؤدي إلى تفكك الدولة التي تعاني أصلاً من أخطاء هيكلية عميقة. هذا ما يفسر حاجة النظام المستمرة لـ “حوادث” تبقي الرأي العام الجزائري في حالة استقطاب وصدام مع المغرب، على الرغم من أن الجزائر تفتقر إلى القدرات اللازمة للمواجهة الشاملة، سواء على المستوى القانوني أو العسكري، في ظل قوة الموقف المغربي وتأطيره الدولي.
أزمة السردية الإعلامية ورهان الرأي العام
يعي النظام الجزائري جيداً أن مسلسل محاولة “تمطيط” النزاع حول الصحراء المغربية قد انتهى دولياً، وأن كل محاولاته الآن تنصب على تخفيف آثار الصدمة على جماهيره التي حرضها ورفع سقف عدائها للمغرب. هذه البروباغندا، رغم فعاليتها الظاهرية، لا يمكنها أن تنجح على المدى الطويل في الدول التي يخشى فيها الرأي العام إبداء رأيه الحقيقي. كما لاحظ صوصي علوي، هناك تماهٍ ظاهري بين خطاب النظام والرأي العام، لكن هذا التماهي سرعان ما يختفي بمجرد سقوط النظام، مع أمثلة تاريخية كالعراق بعد سقوط نظام صدام حسين.
إن البروباغندا الجزائرية تعمل كـ “علامات تشوير” داخلية لتوجيه الرأي العام، لكنها لا تستطيع تغيير الحقائق الجيوسياسية أو القانونية. هذا الوضع يضع النظام أمام مأزق حقيقي، فإما أن يستمر في سرديته الكاذبة ويواجه انفجاراً داخلياً محتملاً، أو أن يتقبل الواقع الدولي ويواجه غضب الجماهير التي غذّاها بالعداء.
الغدر في السياسة الجزائرية: جذور تاريخية وممارسات معاصرة
ربط صوصي علوي ممارسات النظام الجزائري بـ “الرواسب النفسية التي تركها العثمانيون”، مشيراً إلى ترسيخ “الغدر ومنطق القرصنة” في أعمالهم العسكرية. هذا التحليل التاريخي يعكس نمطاً من السلوك الدبلوماسي والعسكري الذي يفتقر إلى الثقة والاستقرار، ويؤثر سلباً على العلاقات الإقليمية. فاستفزازات الجيش الجزائري المتكررة على الحدود الشرقية مع المغرب ليست سوى تجسيد لهذا المنطق، وتؤكد أن اتفاقية ترسيم الحدود لسنة 1972، والتي تعتمد على التزام الأطراف بمقتضياتها، قد فقدت صلاحيتها مع أي إخلال بهذه الالتزامات.
المغرب يستعيد حقوقه التاريخية: تحول في ميزان القوى
في ظل هذه التطورات، أكد الباحث أن المغرب “سيستعيد أراضيه التاريخية بشكل تلقائي وبدون حتى أي جهد عسكري”. هذا التصريح يعكس ثقة في قوة الموقف القانوني المغربي والتغيرات في الساحة الدولية التي لم تعد تقبل بالوضع الراهن كحقيقة ثابتة. فترك أراضٍ للجزائر في إطار تجنب الصدام لا يعني تنازل المغرب عن حقوقه أو اعترافه بملكية الطرف الآخر لها. بل هو مؤشر على حكمة سياسية تدرك أن الزمن والجغرافيا يعملان لصالح استعادة الحقوق بالوسائل السلمية والقانونية.
إن المشهد الإقليمي يتجه نحو إعادة تشكيل، حيث بات من الواضح أن تداعيات موقف النظام الجزائري من الصحراء المغربية أصبحت تهدد استقرار هذا النظام نفسه. ومع تزايد الضغوط الدولية وتغير موازين القوى، يبدو أن الجزائر تواجه لحظة حاسمة تتطلب منها مراجعة شاملة لسياستها الخارجية والداخلية لتجنب سيناريوهات أكثر تعقيداً.
للمزيد من التحليلات المعمقة حول هذه القضية وغيرها من القضايا الإقليمية، يمكنكم زيارة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك