جدل إعلان رمضان بفرنسا: تداعيات تسييس إعلان رمضان بفرنسا على وحدة الجالية المغربية
شهدت الساحة الإسلامية في فرنسا ارتباكاً واسعاً واستهجاناً عميقاً في الأيام القليلة الماضية، وذلك في أعقاب التضارب الملحوظ في تحديد موعد حلول شهر رمضان المبارك. هذا التناقض، الذي بات يتكرر سنوياً، لم يعد مجرد خلاف فقهي بسيط، بل تحول إلى قضية تحمل في طياتها أبعاداً سياسية واجتماعية خطيرة، لاسيما وأنها أدت إلى تسييس إعلان رمضان بفرنسا وأثارت استياءً عارماً ضمن صفوف الجالية المسلمة، خصوصاً الجالية المغربية التي تشكل جزءاً كبيراً منها.
تجديد المشهد المحير الذي عاشه المسلمون في فرنسا يوم الثلاثاء الموافق 17 فبراير 2026، مع إعلان هيئتين دينيتين بارزتين عن تاريخين مختلفين لبداية الشهر الفضيل، دفع بالكثيرين إلى التساؤل عن الأسباب الحقيقية وراء هذا الانقسام المستمر وتداعياته على صورة الإسلام والمسلمين في الغرب.
جذور الخلاف: متى وكيف بدأ تضارب إعلان رمضان؟
بدأت فصول الأزمة عندما أعلن المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، الذي يتزعمه محمد موساوي، أن أول أيام رمضان سيكون يوم الخميس 19 فبراير 2026. في المقابل، أصدر جامع باريس الكبير، برئاسة المفتي العام شمس الدين حفيظ، بياناً يؤكد فيه أن الأربعاء 18 فبراير 2026 هو اليوم الأول من رمضان. هذا التباين خلق بلبلة غير مسبوقة، حيث وجد آلاف المسلمين أنفسهم في حيرة من أمرهم، غير متأكدين من أي من التواريخ يجب أن يتبعوا.
لم يقتصر الأمر على هاتين الهيئتين فحسب، بل امتد الجدل ليشمل مراكز إسلامية أخرى في مدن فرنسية وأوروبية، مما زاد من تعقيد المشهد. في الوقت الذي أعلنت فيه دول إسلامية كبرى مثل السعودية أن الأربعاء هو أول أيام رمضان، اختارت دول أخرى الخميس، مما فاقم الإحساس بالضياع لدى الجاليات المسلمة في المهجر، التي تتطلع عادة إلى مرجعية موحدة.
أصداء الاستياء: الجالية المغربية تدعو إلى فصل الدين عن السياسة
تفاعلت الجالية المغربية بفرنسا بغضب شديد مع هذا التضارب. عبرت السيدة منى بناني، رئيسة الجمعية المغربية الفرنسية “Asli”، عن صدمتها واستيائها البالغ من هذا الوضع. وفي تصريح لها، أشارت بناني إلى أن هذا الاختلاف لا يسبب ارتباكاً كبيراً للجالية المسلمة في أوروبا فحسب، بل يمنح صورة سلبية عن المسلمين، ويظهرهم بمظهر غير المتوافقين أمام المجتمعات الأوروبية التي يقطنونها. كما ربطت بناني قرار جامع باريس بمن يسيره، مما أثار علامات استفهام حول مسببات هذا التضارب.
من جانبه، أكد الحقوقي المغربي المقيم بفرنسا، يوسف الإدريسي الحسني، أن ما حدث يعد “خيبة أمل عميقة”، مشدداً على أن الخلافات السياسية يجب أن تبقى بعيدة عن الشأن الديني. وأوضح الإدريسي أن هذا الانقسام أثار غضباً عارماً في صفوف الجالية، متسائلاً: “من غير المقبول أن يعيش المسلمون في بلد واحد وتحت سماء واحدة انقساماً حاداً في شعائرهم”. وأضاف أن الإعلام الفرنسي تناول الموضوع بسخرية واستهجان، مما يزيد من شعور المسلمين بالخجل ويفتح المجال للآخرين للاستهزاء بحالهم.
هذه التصريحات تعكس شعوراً متنامياً بفقدان الثقة في المؤسسات الدينية، حيث أصبحت الحسابات السياسية الضيقة تطغى على روحانية الشهر الفضيل ووحدة الأمة، مما دفع ببعض أفراد الجالية إلى الشعور بالاغتراب حتى داخل مؤسساتهم الدينية.
الأبعاد السياسية وتأثير تسييس إعلان رمضان بفرنسا على الوحدة الإسلامية
لم يعد الجدل حول تحديد مواعيد الأعياد والمناسبات الدينية مجرد مسألة فقهية أو علمية بحتة تتعلق برؤية الهلال. بل تحول، كما أكدت بناني والإدريسي، إلى قضية سياسية بامتياز. فالخلافات بين الهيئات الدينية في فرنسا، والتي غالباً ما ترتبط بمرجعيات دولية أو إقليمية مختلفة، أصبحت تُفسر على أنها تعكس تناحرات سياسية أوسع يتم إسقاطها على الشأن الديني.
هذا تسييس إعلان رمضان بفرنسا يؤثر سلباً على وحدة الصف الإسلامي ويضعف مكانة المؤسسات الدينية أمام أتباعها. عندما تتدخل الأجندات السياسية في تحديد الشعائر الدينية، فإنها تقوض المصداقية وتزرع بذور الشقاق، مما يعوق قدرة المسلمين على الظهور كجالية موحدة ومنظمة أمام المجتمع الفرنسي. هذا الانقسام يُعد وصمة عار تتطلب مراجعة حقيقية لضمان عدم تكرار مثل هذه المشاهد التي تفرق ولا تجمع.
نحو رؤية موحدة: دعوات لتجاوز الخلافات وتوحيد الصف
في ظل هذا الوضع المعقد، تتصاعد الدعوات المطالبة بتوحيد الرؤى وتجاوز الحسابات السياسية الضيقة. يقترح البعض اعتماد مرجعية إسلامية موحدة على الصعيد الأوروبي، تعتمد على معايير فقهية وعلمية واضحة وموحدة، بعيداً عن التأثيرات الخارجية. كما يدعو آخرون إلى تفعيل دور المراصد الفلكية واستخدام التكنولوجيا الحديثة لتحديد بداية الشهور القمرية بدقة، مما يحد من فرص الاختلاف والجدل.
يكمن الحل في تعزيز الحوار والتعاون بين مختلف مكونات الجالية المسلمة، وتغليب المصلحة العليا للدين والمسلمين على أي اعتبارات أخرى. إن توحيد الكلمة والصف في قضايا أساسية كبداية رمضان هو أمر ضروري ليس فقط للحفاظ على الانسجام الداخلي، بل أيضاً لتقديم صورة إيجابية عن الإسلام والمسلمين في المجتمعات الغربية. إن استمرار هذه الخلافات يهدد بتمزيق النسيج الاجتماعي للمسلمين ويزيد من عزلتهم.
في الختام، إن الجدل حول تحديد أول أيام رمضان في فرنسا ليس مجرد خلاف حول تاريخ، بل هو انعكاس لأزمة أعمق تتعلق بالثقة، والقيادة، وتأثير العوامل السياسية على الشأن الديني. على القيادات الدينية والمجتمعية أن تتحمل مسؤوليتها في إيجاد حلول دائمة ومستقرة تضمن وحدة المسلمين وتحفظ لهم كرامتهم وهويتهم في بلاد المهجر. يمكنكم متابعة المزيد من التحليلات المعمقة حول قضايا الجاليات المسلمة عبر الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك