العجز التجاري الدوائي في المغرب: تحليل معمق لتوقعات 2030
يشهد القطاع الصيدلاني المغربي تحولات كبيرة، لكن التحديات الهيكلية لا تزال قائمة. وفقًا لأحدث تقرير صادر عن BMI، التابعة لـFitch Solutions، من المتوقع أن يستمر العجز التجاري الدوائي في المغرب في الاتساع خلال السنوات المقبلة، مدفوعًا بنمو قوي في الواردات. ورغم الإصلاحات التنظيمية والضريبية التي أطلقتها المملكة، يبدو أن معالجة هذا الخلل تحتاج إلى وقت وجهد أكبر.
أرقام تكشف حجم التحدي
تشير بيانات التجارة الخارجية لعام 2025 إلى أن صادرات القطاع الصيدلاني بقيت شبه مستقرة عند 1.6 مليار درهم (171 مليون دولار)، بزيادة طفيفة بلغت 1.2% بالدرهم و8.0% بالدولار. في المقابل، قفزت الواردات بنسبة 17.4% بالدرهم و24.9% بالدولار لتصل إلى 11.9 مليار درهم (1.27 مليار دولار). ونتيجة لذلك، اتسع العجز التجاري للقطاع من 9.2 إلى 10.3 مليار درهم (حوالي 1.1 مليار دولار). وتتوقع BMI أن يصل هذا العجز إلى 13.4 مليار درهم (1.4 مليار دولار) بحلول عام 2030.
إصلاحات طموحة لكن غير كافية
على الصعيد التنظيمي، أقر مجلس المستشارين في 22 يونيو 2026 مشروع القانون رقم 27.26 الذي يراجع قانون المداوة والصيدلة، بهدف تسريع دخول الأدوية الجنيسة إلى السوق وتقليل الاعتماد على الواردات. يوسع النص صلاحيات الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية في مجالات الترخيص والمراقبة والتفتيش واليقظة الدوائية، سعيًا للحصول على الاعتراف الدولي بمستوى النضج التنظيمي 3 (ML3) من منظمة الصحة العالمية. كما يفتح الباب أمام مراجعة المرسوم التنظيمي لعام 2015 الخاص بتسجيلات الأدوية.
لكن التحديات لا تزال قائمة، إذ يشير التقرير إلى أن المادة 4 من القانون تسمح للمختبرات بتمديد حمايتها التجارية بعد انتهاء براءة الاختراع عبر تقديم طلب تسجيل قبل انتهائها، مما يمنحها فترة حصرية جديدة للبيانات لمدة خمس سنوات. هذا الأمر، إلى جانب متوسط آجال التسجيل التي تصل إلى ثلاث سنوات مقابل هدف تنظيمي يتراوح بين 9 و12 شهرًا، يضع المصنعين المغاربة للأدوية الجنيسة في وضع غير تنافسي مقابل نظرائهم الهنود في الأسواق الأفريقية.
إجراءات ضريبية وجمركية لتحسين الولوج
اتخذ المغرب خطوات ملموسة لتحسين الولوج إلى الأدوية، من بينها تخفيض الرسوم الجمركية على 112 دواءً أساسيًا من 30% إلى 2.5% بموجب قانون المالية 2026، مع تخفيضات جزئية لعشرة منتجات إضافية. جاء هذا الإجراء بعد نفاد أكثر من 600 دواء في 2025. كما ارتفعت ميزانية الصحة بنسبة 30% لتصل إلى مستوى قياسي قدره 42.3 مليار درهم (4.5 مليار دولار)، بهدف معالجة النقص ودعم المشتريات العمومية.
ومع ذلك، يلاحظ التقرير أن 34 منتجًا صيدلانيًا فقط ستشهد زيادة في الرسوم الجمركية لحماية المصنعين المحليين، مما يحد من قدرة المنتجات المحلية على تعويض الواردات ويساهم في استمرار اتساع العجز التجاري.
سياق اقتصادي داعم
يستند هذا المسار الذي تقوده الواردات إلى أسس اقتصادية قوية. يتوقع فريق المخاطر القُطرية في BMI نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 4.2% في 2026 و4.1% في 2027، وهو أعلى بكثير من الاتجاه طويل الأجل، مدعومًا بالاستثمار الثابت واستهلاك الأسر. هذا النمو، إلى جانب انخفاض البطالة وضبط التضخم، سيمكن الدولة من مواصلة تمويل زيادة الإنفاق الصحي وحجم الواردات، حتى مع استمرار اتساع العجز التجاري الدوائي.
نظرة مستقبلية: هل من أمل؟
رغم التحديات، يرى خبراء BMI أن تسريع آجال الموافقة على الأدوية، في إطار المراجعة المرتقبة للمرسوم، قد يحسن تنافسية المغرب ويحد من نمو الواردات على المدى الطويل. ويتوقعون أن يصل سوق الأدوية الجنيسة إلى 20.7 مليار درهم (2.2 مليار دولار) بحلول 2030، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 6.3%. لكن تحقيق ذلك يتطلب تجاوز العقبات البيروقراطية وتعزيز الإنتاج المحلي.
في المحصلة، يبقى العجز التجاري الدوائي في المغرب ملفًا معقدًا يتطلب مقاربة شاملة تجمع بين الإصلاحات التنظيمية، والحوافز الإنتاجية، والاستثمار في البحث والتطوير. ولمتابعة آخر المستجدات الاقتصادية في المغرب، يمكنكم زيارة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك