ترشيح المغرب لمجلس الأمن 2028-2029: خطوة استراتيجية في توقيت حساس
في خطاب تاريخي من نيويورك، أعلن وزير الخارجية ناصر بوريطة ترشيح المغرب لعضوية غير دائمة في مجلس الأمن للفترة 2028-2029، مؤكداً أن هذا الترشيح يعكس التزام المملكة بالمشاركة الفعالة في حفظ السلم والأمن الدوليين. يأتي هذا الإعلان في وقت تشهد فيه القضية الوطنية تحولات دبلوماسية متسارعة، مما يمنح الترشيح بعداً استراتيجياً يتجاوز كونه مجرد إجراء بروتوكولي.
ويرى مراقبون أن ترشيح المغرب لمجلس الأمن 2028-2029 يندرج ضمن رؤية ملكية تستهدف تعزيز مكانة المغرب كفاعل إقليمي ودولي، خاصة في ظل التحديات الأمنية التي تواجه المنطقة. فالمغرب، بموقعه الجغرافي وعلاقاته المتوازنة، يقدم نموذجاً للدبلوماسية الوقائية والوساطة، مما يجعله مرشحاً طبيعياً لهذا المقعد.
خلفية الترشيح: قراءة في السياق والتوقيت
يأتي الترشيح المغربي في إطار التداول الجهوي داخل المجموعة العربية على المقعد غير الدائم، حيث كان من نصيب الجزائر ثم الكويت. لكن هذه المرة، يتزامن الترشيح مع مرحلة حاسمة في ملف الصحراء المغربية، حيث تتجه الأمم المتحدة نحو البحث عن حل سياسي نهائي. ويشير المحللون إلى أن وجود المغرب داخل مجلس الأمن سيمكنه من الدفاع مباشرة عن مبادرة الحكم الذاتي، ومواجهة أي مناورات معادية لسيادته الترابية.
ويضيف خبراء العلاقات الدولية أن التوقيت يحمل دلالات عميقة، فبعد سنوات من المناورات الجزائرية داخل المجلس، يجد المغرب نفسه في موقع يسمح له بتحصين قرارات المجلس من أي انحرافات تمس وحدته الترابية. كما أن الدعم الدولي المتزايد لمغربية الصحراء، والذي تجلى في مواقف دول كبرى، يعزز فرص نجاح الترشيح.
المكاسب الدبلوماسية: أكثر من مجرد مقعد
لا يقتصر مكسب المغرب من هذا الترشيح على شغل مقعد غير دائم، بل يمتد ليشمل تعزيز شبكة تحالفاته الدولية. فخلال حملته الانتخابية المرتقبة سنة 2027، سيضطر المغرب إلى التواصل مع عدد كبير من الدول، مما يتيح له فرصة لترويج مبادراته وشرح مواقفه من قضايا المنطقة. وهذا ما يؤكده الأستاذ خالد شيات، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الأول بوجدة، الذي يعتبر أن الترشيح يعكس “دعماً دولياً ضمنياً” للمغرب، نابعاً من إدراك المنتظم الدولي لطبيعة الملف.
كما أن وجود المغرب في مجلس الأمن سيمكنه من لعب دور محوري في صياغة قرارات تتعلق بمكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة العابرة للحدود، وهي ملفات يعتبر المغرب شريكاً موثوقاً فيها. ويشير المحلل لحسن أقرطيط، خبير الجيوبولتيك، إلى أن المغرب كفاعل إقليمي رئيسي في شمال وغرب إفريقيا يضطلع بدور محوري في تأمين الممرات التجارية العالمية، مما يجعله عضواً قيماً في المجلس.
الرهانات الاستراتيجية: تحصين القضية الوطنية
الرهان الأكبر يبقى مرتبطاً بملف الصحراء المغربية. فوجود المغرب داخل مجلس الأمن سيمكنه من الرد الفوري على أي محاولات لتشويه صورة المغرب أو تمرير قرارات غير متوازنة. ويؤكد أقرطيط أن هذا الحضور سيسهم في “تحصين مجلس الأمن من محاولات المناورة على الوحدة الترابية للمملكة”، مشيراً إلى الجزائر تحديداً. كما أن العضوية ستتيح للمغرب فرصة لتسريع وتيرة الطي النهائي للنزاع الإقليمي، عبر التأثير في صياغة القرارات الأممية.
ومن الرهانات الأخرى، تعزيز صورة المغرب كدولة ملتزمة بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، خاصة في مجال حفظ السلام، حيث يشارك المغرب بقوات في عدة بعثات أممية. كما أن الدور الإنساني للمغرب، سواء في غزة أو سوريا، يعزز مصداقيته كعضو مسؤول في المجلس.
التحديات المقبلة: حملة دبلوماسية مكثفة
رغم التفاؤل، يبقى الترشيح في طوره الأول، ويتطلب حملة دبلوماسية لحشد ثلثي أصوات الجمعية العامة. وهذا يعني أن المغرب بحاجة إلى تعبئة كل إمكانياته الدبلوماسية، من سفاراته إلى منظماته الإقليمية، لضمان الفوز. ويشير المحللون إلى أن المنافسة قد تكون شديدة، خاصة مع وجود مرشحين آخرين محتملين من دول عربية أو إفريقية.
ومع ذلك، فإن المكسب الحقيقي يتجاوز المقعد نفسه، كما يقول المتحدثون لهسبريس. فالمغرب سيستفيد من منصة مباشرة للدفاع عن مبادرة الحكم الذاتي، وتوسيع دائرة شركائه الدوليين، وترسيخ صورته كفاعل ملتزم بمبادئ الميثاق الأممي. وهذا كله يصب في خدمة القضية الوطنية في لحظة تعد الأكثر حساسية منذ عقود.
خاتمة: نحو دبلوماسية وقائية فعالة
في المحصلة، يمثل ترشيح المغرب لمجلس الأمن 2028-2029 خطوة استراتيجية محسوبة، تعكس ثقة المغرب في قدرته على التأثير في صناعة القرار الدولي. وبينما يستعد المغرب لخوض غمار هذه الحملة، يبقى الرهان الأكبر هو ترجمة هذا الحضور إلى مكاسب ملموسة على أرض الواقع، خاصة فيما يتعلق بإنهاء النزاع الإقليمي حول الصحراء. ولعل ما يزيد من أهمية هذه الخطوة هو أنها تأتي في وقت تتزايد فيه التحديات الأمنية والاقتصادية، مما يجعل من وجود المغرب في مجلس الأمن ضرورة لتعزيز الاستقرار في المنطقة.
وللمزيد من التحليلات السياسية، يمكن متابعة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك