شهدت الساحة المحلية بالمغرب تحركات مكثفة وغير مسبوقة من قبل المصالح المركزية لوزارة الداخلية، وعلى رأسها المديرية العامة للجماعات الترابية، إثر ورود تقارير وشكايات صادمة تكشف عن شبهات خطيرة تتعلق بـالتلاعب بمستحقات الصفقات العمومية. هذه التقارير، القادمة من أقسام “الشؤون الداخلية” على مستوى العمالات ومن مقاولين متضررين، دقت ناقوس الخطر حول ممارسات غير قانونية يرتكبها رؤساء جماعات ومنتخبون وموظفون، تهدف إلى فرض شروط غير مشروعة لتسوية الوضعية المالية للمقاولين الحائزين على صفقات عمومية.
المشكلة لا تقتصر على مجرد تأخير في صرف المستحقات، بل تتعداه إلى ما هو أخطر، حيث تشير المعطيات إلى وجود اشتراطات لـ”الدفع المسبق” أو الحصول على عمولات مالية مقابل الإفراج عن الحقوق المالية. هذا الوضع يهدد مبادئ الشفافية والحوكمة الجيدة، ويزعزع ثقة المستثمرين والمقاولين في آليات التعاقد العمومي، مما يستدعي تدخلاً حازماً ومراجعة شاملة للممارسات الإدارية والمالية داخل الجماعات الترابية.
أبعاد التلاعب بمستحقات الصفقات العمومية: أساليب وممارسات
تتخذ ممارسات الفساد في مجال التلاعب بمستحقات الصفقات العمومية أشكالاً متعددة ومعقدة، مما يجعل كشفها يتطلب تدقيقاً معمقاً. من أبرز هذه الأساليب:
- اشتراط “الدفع المسبق” أو العمولات: تشير التقارير إلى أن بعض رؤساء الجماعات والمنتخبين يرفضون التأشير على مستحقات المقاولين والشركات إلا بعد استلام عمولات مالية بشكل مسبق. هذه الممارسة تمثل ابتزازاً صريحاً وتضرب عرض الحائط بالقوانين المنظمة للصفقات العمومية.
- التماطل في صرف المستحقات: على الرغم من إتمام الأشغال والمصادقة عليها من قبل المهندسين البلديين، يسجل تباطؤ غير مبرر في صرف المستحقات، مما يضطر المقاولين إلى الانتظار طويلاً، وفي كثير من الأحيان، يتجهون إلى المساومة أو الرضوخ للضغوط.
- رفض تنفيذ الأحكام القضائية: من الممارسات الخطيرة أيضاً، رفض بعض الجماعات تنفيذ أحكام قضائية صادرة لصالح مقاولين وشركات ومكاتب دراسات، وحتى أصحاب عقارات انتزعت منهم تحت مبرر المنفعة العامة، مما يزيد من تعقيد الوضع القانوني ويثقل كاهل الجماعات بالديون.
- المساومة بسندات الطلبات والصفقات: في بعض الحالات، يلجأ رؤساء جماعات إلى المساومة بسندات طلبات وصفقات بأسعار أعلى لتعويض أشغال إضافية في صفقات منتهية، خاصة عندما يواجهون استفسارات من السلطات الإقليمية ولجان التفتيش حول مآل تنفيذ المشاريع.
استجابة وزارة الداخلية والآليات الرقابية
تفاعلاً مع هذه الشبهات، أصدر وزير الداخلية تعليمات صارمة للولاة والعمال بضرورة تسريع تسوية المنازعات القانونية المتعلقة بالصفقات. كما أعلنت المديرية العامة للجماعات الترابية عن إيفاد لجان مركزية متخصصة خلال الأسابيع القليلة المقبلة، ستبدأ مهام تدقيق شاملة في جماعات تابعة لجهتي الدار البيضاء-سطات والرباط-سلا-القنيطرة، وهما جهتان تعرفان دينامية اقتصادية وعمرانية كبيرة.
تهدف هذه اللجان إلى بحث الأسباب والملابسات التي تحول دون تأشير رؤساء المجالس على تسوية الوضعية المالية للصفقات في الوقت المحدد، وكذلك مبررات رفضهم تنفيذ الأحكام القضائية. هذا التحرك يعكس إرادة قوية لمكافحة الفساد وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة في تدبير الشأن المحلي. كما سجلت التقارير تحديات تتعلق بقباضات ترفض طلبات تقليص “الالتزام بالنفقة” لأسباب مرتبطة بعدم صلاحية محاضر “التسلم المؤقت”.
تداعيات الفساد على التنمية والثقة العامة
إن ممارسات الفساد، وخصوصاً التلاعب بمستحقات الصفقات العمومية، لها تداعيات وخيمة تتجاوز الخسائر المالية المباشرة. فهي:
- تثبط روح المبادرة لدى المقاولين: خاصة الشركات الصغرى والمتوسطة التي تعتمد على الصفقات العمومية كمصدر رئيسي للدخل، مما يؤثر على قدرتها على الاستمرار والتوسع.
- تؤثر على جودة المشاريع: عندما يصبح دفع العمولات شرطاً أساسياً، قد يؤدي ذلك إلى اختيار مقاولين غير أكفاء أو استخدام مواد ذات جودة متدنية لتعويض تكلفة الرشاوى.
- تهدر المال العام: الأموال التي تُدفع كعمولات أو رشاوى هي في الأصل أموال عمومية مخصصة لخدمة المواطن وتنمية البنية التحتية. للمزيد حول الفساد، يمكنكم زيارة صفحة الفساد على ويكيبيديا.
- تقوض ثقة المواطنين في المؤسسات: عندما تتفشى مثل هذه الممارسات، تتزعزع ثقة المواطن في قدرة المؤسسات المحلية على تقديم الخدمات بكفاءة ونزاهة، مما يولد شعوراً بالإحباط واليأس.
نحو حوكمة رشيدة: توصيات ومقترحات
لمواجهة ظاهرة الفساد في الصفقات العمومية وتحقيق حوكمة محلية رشيدة، يقترح خبراء عدة إجراءات:
- تعزيز الرقابة والتفتيش: يجب أن تشمل لجان التفتيش جميع الجماعات الترابية على الصعيد الوطني بشكل دوري ومفاجئ، لاقتصارها على جهات معينة فقط.
- رقمنة مساطر الصفقات: التحول الرقمي الكامل لمختلف مراحل الصفقات العمومية، من الإعلان إلى تسوية المستحقات، يقلل من فرص التدخل البشري والابتزاز.
- حماية المبلغين عن الفساد: توفير إطار قانوني ومؤسساتي قوي يحمي الأشخاص الذين يبلغون عن حالات الفساد، ويشجعهم على الإفصاح دون خوف.
- تفعيل المساءلة وتطبيق القانون: يجب تطبيق القانون بصرامة على كل المتورطين في قضايا الفساد، بغض النظر عن مناصبهم، ليكون ذلك رادعاً للآخرين.
- تعزيز الشفافية والإفصاح: نشر جميع المعلومات المتعلقة بالصفقات العمومية ومراحل إنجازها وتكاليفها على بوابات إلكترونية شفافة لعموم المواطنين والمقاولين.
إن مكافحة التلاعب بمستحقات الصفقات العمومية تتطلب تضافر جهود الجميع، من السلطات المركزية إلى الفاعلين المحليين والمجتمع المدني. فالرهان كبير على بناء إدارة عمومية شفافة ونزيهة تخدم التنمية المستدامة وتحقق تطلعات المواطنين، وهو ما تسعى إليه الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب، من خلال تسليط الضوء على هذه القضايا.
التعليقات (0)
اترك تعليقك