تقارير المفتشية العامة تفضح خروقات المنتخبين في تدبير الجماعات الترابية وتلوح بالعزل
تشهد العديد من الجماعات الترابية بالمغرب تحركات رقابية مكثفة من قبل لجان المفتشية العامة للإدارة الترابية، والتي حطت الرحال بعشرات الجماعات في جهات حيوية كـالدار البيضاء-سطات ومراكش-آسفي والرباط-سلا-القنيطرة وفاس-مكناس. هذه اللجان، المكلفة بالتدقيق في الأداء الإداري والمالي، أوشكت على إنهاء تقاريرها التي ترسم صورة مقلقة لواقع الإدارة المحلية، كاشفة عن خروقات المنتخبين في تدبير الجماعات الترابية التي قد تؤدي إلى قرارات صارمة بالتوقيف والعزل بحق رؤساء ومنتخبين متنفذين قبل نهاية مارس المقبل.
تجاوزات بالجملة: من التوظيفات المشبوهة إلى الهواتف الفاخرة
أكدت مصادر مطلعة أن لجان التفتيش رصدت حالات متعددة من تضارب المصالح واستغلال النفوذ بشكل فاضح داخل هذه الجماعات. فبعد تمحيص دقيق لسجلات ولوائح العمال العرضيين، تبين وجود صلات قرابة مفترضة بين هؤلاء العمال وعدد من النواب والمستشارين، ما يثير علامات استفهام حول معايير التوظيف. الأدهى من ذلك، أن اللجان لاحظت خروقات في تدبير إجراءات تشغيل هذه الفئة، حيث لم يتم التقيد بالتباعد الزمني بين ‘رسائل الالتزام’ وصرف تعويضات غير قانونية، مما يشير إلى تجاهل متعمد للضوابط القانونية.
لم تتوقف التجاوزات عند هذا الحد؛ إذ كشفت التحقيقات عن سندات طلب لاقتناء هواتف ذكية فاخرة، فاقت قيمتها 10 آلاف درهم للوحدة. لكن الصدمة كانت أثناء المعاينة، حيث تبين أن هذه الهواتف جرى ‘تهريبها’ إلى مستفيدين آخرين غير الموظفين المعنيين، وفي إحدى الجماعات التابعة لإقليم برشيد، اضطر المفتشون لاستدعاء الموظفين للتأكد من تسلمهم للهواتف، ليجدوا أنها ليست بحوزتهم رغم احتسابها لفائدتهم في الوثائق. هذه الواقعة دفعت المفتشين لطلب إشهادات مصادق عليها لإبراء الذمة، ضُمنت تفاصيلها في تقارير التفتيش.
تبديد المال العام وتحدي توجيهات التقشف
تضمنت تقارير التفتيش ملاحظات خطيرة بخصوص تورط منتخبين وموظفين جماعيين في تبديد أموال عمومية وتجاوز قواعد الحكامة في تدبير الموارد الجماعية. المثير للقلق هو أن هذه الممارسات جاءت في سياق دعوات وزارة الداخلية للتقشف وترشيد النفقات، وخصوصاً توجيهات الوزير عبد الوافي لفتيت التي شددت على تبني الحكامة الرشيدة عند إعداد الميزانيات، مع إعطاء أولوية قصوى لقطاعات التشغيل والتعليم والصحة.
ورغم الوضعية المالية الصعبة لبعض الجماعات، جرى التأشير على مخصصات مشبوهة لاقتناء هواتف، وكراء سيارات، وتنظيم حفلات استقبال من قبل عمال دون إبداء أي ملاحظات. وقد سجلت التقارير تخصيص جماعات متعثرة اعتمادات مالية ضخمة، بلغت نحو 420 ألف درهم لرسوم ومستحقات المواصلات اللاسلكية، و4.5 مليون درهم لتغطية أجور العمال العرضيين الذين فاق عددهم ضعف عدد الموظفين الرسميين في بعض الجماعات، بالإضافة إلى نفقات تجاوزت 2 مليون درهم لاقتناء الوقود والزيوت.
المفتشية العامة: صمام أمان لتعزيز الشفافية والمساءلة
يُعد عمل المفتشية العامة للإدارة الترابية جوهرياً في تعزيز مبادئ الشفافية والمساءلة في تدبير الشأن المحلي. فمن خلال تدقيقها في سندات الطلب، عقود التوظيف، وسجلات النفقات، تسعى هذه اللجان إلى كشف التجاوزات التي تنخر ميزانيات الجماعات وتحرم المواطنين من خدمات أفضل. هذه الحملات الرقابية ليست مجرد إجراءات شكلية، بل هي تأكيد على عزم الدولة مكافحة الفساد وترسيخ الحكم الرشيد على جميع المستويات.
- مكافحة تضارب المصالح: تحديد العلاقات المشبوهة بين المسؤولين والمستفيدين.
- ترشيد النفقات: كبح جماح التبذير غير المبرر للمال العام.
- تطبيق القانون: ضمان احترام الإجراءات القانونية في التوظيف والصفقات العمومية.
- تعزيز الثقة: استعادة ثقة المواطن في أداء المؤسسات المحلية.
تداعيات التجاوزات على الثقة المجتمعية ومستقبل الجماعات
إن انكشاف هذه الخروقات لا يهدد فقط بمساءلة وعزل المسؤولين المتورطين، بل يمس بشكل مباشر ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة. ففي الوقت الذي يتطلع فيه المواطن إلى تنمية محلية مستدامة وتحسين لخدماته الأساسية، تأتي مثل هذه التجاوزات لتؤكد وجود تحديات هيكلية تتطلب معالجة عميقة. إن توجيهات وزير الداخلية الأخيرة، التي دعت إلى إعداد ميزانيات جريئة وواقعية تواكب التحولات الاجتماعية وتستجيب لتطلعات المواطنين والشباب، تؤكد على أهمية تجاوز الأساليب الكلاسيكية في إعداد الميزانيات والانتقال إلى تدبير مالي قائم على النتائج.
تتابع الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب، هذه التطورات عن كثب، مؤكدة على ضرورة تفعيل آليات رقابية أكثر صرامة وتعزيز دور المجتمع المدني في الرقابة على الشأن المحلي لضمان حماية المال العام وتحقيق التنمية المنشودة.
التعليقات (0)
اترك تعليقك