في خضم الاستحقاقات الانتخابية المرتقبة، كشف حزب العدالة والتنمية عن برنامجه الانتخابي لعام 2026، متضمنًا جملة من الإصلاحات الطموحة التي تلامس جوهر العمل السياسي والقضائي في المغرب. ويأتي هذا البرنامج، الذي يحمل شعار “من أجل مغرب النزاهة والعدالة”، ليضع حدًا لظاهرة الترحال السياسي التي طالما أضعفت الثقة في المؤسسات المنتخبة، وليعزز مسار محاربة الفساد بآليات جديدة كليًا.
منع الترحال السياسي: خطوة جريئة لاستقرار المشهد الحزبي
يُعد الترحال السياسي من أبرز الآفات التي تنخر العمل السياسي في المغرب، حيث ينتقل المنتخبون بين الأحزاب دون أي رادع أخلاقي أو قانوني. ولذلك، خصص برنامج حزب العدالة والتنمية الانتخابي 2026 فقرة كاملة لهذه القضية، مقترحًا منعًا صريحًا للمنتخبين الذين ترشحوا باسم حزب معين من الترشح في الانتخابات المقبلة باسم أحزاب أخرى. هذه الآلية، وإن كانت قد تثير جدلًا حول حرية الانتماء السياسي، إلا أنها تهدف إلى ترسيخ الانضباط الحزبي واحترام إرادة الناخبين الذين منحوا أصواتهم لبرنامج محدد.
كما يتضمن البرنامج إجراءات تكميلية مثل نشر التصريحات المالية وحسابات الحملات الانتخابية للمترشحين بعد الانتخابات، مما يعزز الشفافية ويمكن الناخبين من معرفة مصادر تمويل حملاتهم. ويشدد البرنامج على ضرورة مراقبة مصادر الأموال والتبرعات، والتصدي للأموال المشبوهة والرشاوى، من خلال آلية رقابية صارمة.
استراتيجية وطنية شاملة لمكافحة الفساد
لم يكتفِ الحزب بالوعود النظرية، بل انتقل إلى صياغة خطة عملية لمكافحة الفساد، تبدأ بتحيين وإعادة تفعيل الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، التي طالما بقيت حبرًا على ورق في الحكومات السابقة. ويقترح البرنامج تقوية أدوار الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، بما يمكنها من القيام بمهامها بشكل مستقل وفعال.
ومن بين الإجراءات المبتكرة، إخراج قانون يتعلق بالمخالفات المتعلقة بتنازع المصالح، طبقًا للفصل 36 من الدستور، مع تعريف دقيق لهذه المخالفات. كما يدعو البرنامج إلى تجريم الإثراء غير المشروع، وهو ما سيشكل رادعًا قويًا للمسؤولين الذين يستغلون مناصبهم للثراء السريع. ولا يغفل البرنامج جانب حماية المبلغين عن الفساد، حيث يشير إلى ضرورة توفير الحماية القانونية لهم.
إصلاح السياسة الجنائية: بين الأمن والحريات
أولى الحزب اهتمامًا خاصًا بإصلاح السياسة الجنائية الوطنية، مؤكدًا على ضرورة تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن واحترام الحقوق والحريات. ويشدد البرنامج على ترشيد الاعتقال الاحتياطي، وجعله إجراءً استثنائيًا حقيقيًا، وربطه بمعايير دقيقة قابلة للمراقبة القضائية. هذه الخطوة من شأنها الحد من حالات الاعتقال التعسفي التي يعاني منها العديد من المواطنين.
وفي بادرة إنسانية، يدعو البرنامج إلى وضع سياسة جنائية خاصة بالأحداث، تقوم أساسًا على التربية والإدماج بدل العقوبات السالبة للحرية، بما يساعد على إعادة تأهيلهم ودمجهم في المجتمع. كما يولي البرنامج أهمية كبيرة للجريمة الرقمية، التي أصبحت تشكل تهديدًا متزايدًا، حيث يقترح تطوير سياسة متخصصة لمواجهة الاحتيال الإلكتروني والابتزاز والاعتداءات على المعطيات الشخصية والجرائم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
منظومة العدالة: نحو محكمة رقمية وقضاء مستقل
يشمل برنامج الحزب إصلاحات جذرية لمنظومة العدالة، تبدأ بتحديث القانون الجنائي لمواكبة التطور الكبير الذي عرفته الجريمة، سواء من حيث الأساليب أو الأدوات المستخدمة. كما يدعو إلى تعديل قوانين تنظيم المهن المرتبطة بمنظومة العدالة، مثل المحاماة والعدول والموثقين، بما يواكب المتطلبات الحديثة.
ومن بين الالتزامات المهمة، ضمان سرية المصادر الصحفية، وهو مطلب طالما ناضلت من أجله النقابات الصحفية، لما له من أهمية في حماية حرية التعبير وكشف الفساد. كما يتضمن البرنامج تعديل مدونة التجارة للأخذ بعين الاعتبار تقنين التجارة الإلكترونية وتطورات الاقتصاد الرقمي، مما سيسهل المعاملات التجارية عبر الإنترنت ويحمي حقوق المستهلكين.
ويعمل الحزب على تحقيق “المحكمة الرقمية” بحلول نهاية سنة 2030، وهو مشروع طموح يهدف إلى رقمنة المساطر القضائية وتسهيل الولوج إلى العدالة. ولضمان استقلالية القضاء، يدعو البرنامج إلى تعزيز شفافية مساطر التعيين والترقية والانتقال والتأديب داخل السلطة القضائية، ونشر المعايير والقرارات المتعلقة بها. كما يقترح تقوية استقلالية المفتشية العامة واعتماد برامج تفتيش قائمة على المخاطر، مع توفير الحماية للمشتكين والمبلغين.
ولضمان تنفيذ الأحكام القضائية، وهي إحدى الإشكاليات المزمنة في المغرب، يقترح البرنامج إحداث هيئة أو مديرية متخصصة في تتبع تنفيذ الأحكام النهائية الصادرة في مواجهة الدولة والجماعات الترابية. كما يدعو إلى ترتيب المسؤولية الشخصية في حالات الامتناع عن تنفيذ الأحكام، وذلك زجرًا للمماطلة وضمانًا لسيادة القانون.
بهذه الإصلاحات، يقدم حزب العدالة والتنمية رؤية متكاملة لإصلاح المنظومة السياسية والقضائية في المغرب، تضع النزاهة والشفافية في صميم العمل الحكومي. ويبقى التحدي الأكبر في قدرة الحزب على ترجمة هذه الوعود إلى واقع ملموس إذا ما منحه الناخبون ثقتهم في الانتخابات المقبلة. للمزيد من التفاصيل حول البرامج الانتخابية للأحزاب الأخرى، يمكنكم زيارة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب. ولمعرفة المزيد عن مفهوم الترحال السياسي، يمكنكم الاطلاع على ويكيبيديا.
التعليقات (0)
اترك تعليقك