عاجل

مستقبل التعليم في القارة السمراء: كشف تحديات نقص المدرسين في إفريقيا وعوائق الإصلاح الجذري

مستقبل التعليم في القارة السمراء: كشف تحديات نقص المدرسين في إفريقيا وعوائق الإصلاح الجذري

التعليم في إفريقيا: رهانات المستقبل وتحديات الحاضر

تُشكل التحديات التربوية في القارة الإفريقية محور اهتمام العديد من الهيئات والخبراء، لما لها من تأثير مباشر على مسيرة التنمية الشاملة. فقد سلطت رحمة بورقية، رئيسة المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، الضوء على حقائق مقلقة خلال الندوة الإفريقية حول السياسات التعليمية بالرباط. مؤكدة أن 25% من شباب القارة يجدون أنفسهم خارج منظومة التعليم والتشغيل والتكوين، وهو ما يبرز حجم الأزمة. وفي هذا السياق، يبرز نقص المدرسين في إفريقيا وعوائق الإصلاح كعقبتين رئيسيتين تعوقان تحقيق التقدم المنشود.

وبحلول عام 2030، تحتاج القارة إلى حوالي 17 مليون مدرّس إضافي لضمان وصول شامل للتعليم الابتدائي والثانوي. هذا الرقم الهائل لا يعكس مجرد حاجة عددية، بل يكشف عن تحدٍ بنيوي يتطلب استراتيجيات مبتكرة وعاجلة في مجال تكوين وتأهيل الأطر التربوية. إنّ سد هذه الفجوة ليس مجرد مطلب تعليمي، بل هو ضرورة حتمية لبناء مستقبل مستقر ومزدهر للأجيال القادمة.

وتيرة الإصلاحات البطيئة: أسباب وعوامل كامنة

لا شك أن الإصلاحات التربوية في القارة تشهد تباطؤاً ملحوظاً في بعض الأحيان، وهو ما يعزوه الخبراء إلى جملة من العوامل المتشابكة. تؤكد بورقية على أن إحداث تحول حقيقي لا يقتصر على الخطاب، بل يتطلب مثابرة وتجديداً في منهجية تنفيذ الإصلاحات. يشمل ذلك تطوير أساليب عمل الفاعلين التربويين، وتحسين أداء المؤسسات التعليمية، وتعميق الالتزام المهني.

  • غياب الالتزام الفعال: لا يمكن تحقيق أي تقدم دون التزام أطر التدريس، فهم الفاعلون الأساسيون في إرساء عقد اجتماعي للمدرسة.
  • ضعف مشاركة الفاعلين: يتطلب إحراز التقدم مشاركة فعالة من جميع الأطراف المعنية، كصناع للتغيير، والمؤمنين بقيمة المسؤولية المشتركة.
  • مقاومة التغيير: أحياناً ما تكون الأنماط التقليدية في الإدارة والتدريس عائقاً أمام تبني الابتكارات والمنهجيات الحديثة.
  • التحديات الهيكلية: تعاني العديد من الأنظمة التعليمية من ضعف في البنية التحتية، ونقص في التمويل الكافي، مما يؤثر على جودة التعليم وقدرة المؤسسات على التطور.

التعليم كقاطرة للتنمية الشاملة في إفريقيا

تُعد التربية من أنجع الوسائل المتاحة لمواجهة تحديات المستقبل وبناء مجتمعات قوية. فإفريقيا قارة واعدة، وقادرة على صياغة مصيرها التنموي الخاص، حيث تلعب تربية الأجيال الصاعدة دوراً محورياً في هذا المشروع. يشكل قرار جلالة الملك تخصيص ميزانية مهمة لقطاعي تربية الشباب والصحة تجسيداً للإرادة السامية في جعل الشباب رهان الحاضر والمستقبل.

ترتبط جودة الحياة للأفارقة ارتباطاً وثيقاً بجودة التربية، فهي تحدد مستوياتهم الاجتماعية وقدرتهم على اتخاذ القرارات المصيرية. إن التربية، كما يصفها أمارتيا سين، تجسّد “القدرة”، وهي المحرك الرئيسي للتحول الكبير الذي تفرضه المنعطفات الجيوسياسية الراهنة. ولن يتسنى تحقيق أهداف التنمية المستدامة (SDGs)، خاصة الهدف الرابع المتعلق بالتعليم الجيد، دون إعطاء الأولوية للتعليم كاستثمار استراتيجي.

تجدر الإشارة إلى أن حق التربية مدى الحياة يجب أن يظل مصوناً، على الرغم من التقلبات الجيوسياسية والتسارع التكنولوجي. فقضايا الإدماج والإنصاف ومشاركة المواطنين تظل حاسمة. ومع ذلك، تشكل المعلومات المضللة والأخبار الزائفة، إلى جانب الأزمات الاقتصادية والسياسية، معيقات إضافية تحول دون تحقيق إصلاح تعليمي متكامل وشامل.

استثمار التعليم: مفتاح الازدهار والتحول

يُعتبر الاستثمار في تربية ذات جودة في إفريقيا محركاً أساسياً لعملية التنمية وضمانة لنجاح التحولات المنشودة وتحقيق الرفاهية المستقبلية. وعلى الرغم من التقدم الملموس في مجال التمدرس، لا تزال تحديات كبيرة تتطلب حلولاً ناجعة ومبتكرة.

إن الوعي المتزايد لدى الدول الإفريقية بضرورة التحكم في مصير التربية ومكانتها ضمن مسار التحول المجتمعي يبشر بالخير. فالتحديات مثل التهميش، والفوارق الاجتماعية والمجالية، وضعف الاتصال بالشبكات الرقمية، والمناخ المدرسي، وتكوين المدرسين، والتمويل، هي تحديات حقيقية تتطلب مواجهة جماعية ومسؤولية مشتركة من قبل الهيئات الإفريقية المعنية، سواء كانت وزارية أو استشارية كالمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي في المغرب أو نظرائه في دول أخرى.

إعادة نسج الوعي التاريخي: دور التربية في صياغة الهوية

تؤكد بورقية أن التربية هي الجسر الذي يعبر بنا من حقبة زمنية إلى أخرى، وهي الكفيلة بتمكين القارة الإفريقية من إعادة نسج ما أسماه المؤرخ السنغالي الشيخ أنتا ديوب بـ”الوعي التاريخي”. هذا الوعي ضروري لرسم معالم الحاضر والمستقبل مع الحفاظ على جزء أصيل من الموروث الإفريقي الغني.

وفي ختام فعاليات الندوة التي ينظمها المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي حول “منظومات التربية والتكوين والبحث العلمي في إفريقيا.. ديناميات التحول”، يتضح أن التحديات كبيرة، لكن الإرادة والتعاون المشترك بين خبراء وهيئات القارة يمكن أن يفتح آفاقاً جديدة لتطوير التعليم وتحقيق نهضة إفريقية شاملة. لمزيد من الأخبار والتحليلات حول قضايا التعليم والتنمية في المنطقة، تابعوا الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.

التعليقات (0)

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.