شهد المغرب في السنوات الأخيرة تحولاً نوعياً في نهجه للتعامل مع التحديات البيئية والمناخية، خصوصاً في مجال الكوارث الطبيعية. وقد برز هذا التغيير بشكل جلي خلال فيضانات مناطق اللوكوس والغرب، التي كشفت عن تطور استراتيجية المغرب في إدارة الكوارث الطبيعية، من مقاربة تتسم بالاستجابة بعد وقوع الحدث إلى سياسة استباقية ووقائية. هذا التوجه الجديد، الذي يأتمر بتوجيهات ملكية سامية، يؤكد على تبني المملكة لخبرات متراكمة وتعزيز قدراتها الذاتية في مواجهة تداعيات التغير المناخي المتطرفة عالمياً.
تجارب ماضية ورؤية مستقبلية: بناء على الدروس المستفادة
لم يأتِ هذا التطور من فراغ، بل هو نتاج عقود من الخبرة المكتسبة من التعامل مع أزمات كبرى. يستشهد الخبير في الشأن المائي والبيئي، مصطفى بنرامل، بتجارب مؤلمة كزلزال الحسيمة عام 2004، وفيضانات 1963 و2010، وصولاً إلى زلزال الحوز في 2023. كل واحدة من هذه الكوارث ساهمت في صقل التجربة المغربية ودفع الدولة نحو تعزيز آلياتها في الإدارة الرقمية وجمع البيانات الدقيقة، عبر الإحصاءات الوطنية والسجلات الفلاحية والاجتماعية، لضمان وصول الدعم للفئات الأكثر تضرراً.
الاستباقية الرقمية: درع المغرب في وجه الفيضانات
في سياق فيضانات الغرب واللوكوس الأخيرة، تميزت الاستجابة المغربية بالاعتماد على استراتيجية متطورة للتوقع المبكر للمخاطر. فمن خلال الرصد اليومي للنشرات الإنذارية، ومراقبة حقينات السدود، وتتبع وضعيات الثلوج، تمكنت السلطات من اتخاذ قرارات استباقية حاسمة. خير مثال على ذلك هو عملية الإخلاء الناجحة في مدينة القصر الكبير، التي جنبت البلاد خسائر بشرية فادحة وأظهرت فعالية هذا النهج الوقائي. هذا التحول من مجرد الإنقاذ والإيواء إلى الإجلاء الاستباقي يمثل إنجازاً نوعياً للمملكة في إدارتها للأزمات.
دعم شامل ومستمر: من الإيواء إلى إعادة الإعمار
لم يقتصر التدخل المغربي على الجانب الوقائي فحسب، بل امتد ليشمل دعماً شاملاً للمنكوبين في أقاليم العرائش وسيدي قاسم وسيدي سليمان والقنيطرة، التي أُعلنت “مناطق منكوبة”. وقد شمل هذا التدخل العاجل توفير الإيواء والتغذية والمواكبة الصحية والاجتماعية. كما أطلقت مبادرات مبتكرة مثل «المدارس المتنقلة» في المخيمات لضمان استمرارية تعليم الأطفال النازحين، مؤكداً على القدرات الوطنية الذاتية التي لم تستدعِ أي مساعدة خارجية.
محاور الدعم المالي غير المسبوقة: 3 مليارات درهم لإعادة الحياة
على الصعيد المالي، خصصت الحكومة المغربية ميزانية ضخمة تناهز 3 مليارات درهم لمساعدة المتضررين. وقد توزعت هذه الميزانية على أربعة محاور رئيسية تهدف إلى إعادة الحياة إلى طبيعتها ودعم السكان المتضررين، وهي:
- دعم البنية التحتية: لإصلاح الأضرار التي لحقت بالطرق والمنشآت الحيوية.
- دعم السكن: لتعويض الأسر عن خسائر مساكنهم وإعادة بنائها.
- الدعم الاجتماعي: لمواجهة الآثار النفسية والاجتماعية على المتضررين.
- المساعدات الآنية: لتلبية الاحتياجات الفورية للمنكوبين، خصوصاً في القطاع الفلاحي الذي تضرر بشكل كبير.
وقد أشار المحلل السياسي محمد شقير إلى أن هذا الدعم المالي، الذي جاء بناء على تعليمات ملكية، صُمم ليشمل كافة الفئات المتضررة دون استثناء، مع تبسيط شروط الاستفادة من صندوق الكوارث، مما عكس حرص الدولة على طمأنة المواطنين وحماية ممتلكاتهم.
تنسيق وطني وإشادة دولية: نموذج مغربي في إدارة الأزمات
أكد الخبراء على أن التدبير «الحكيم» لهذه الكارثة، تحت الإشراف والتتبع الدقيق لجلالة الملك محمد السادس، حظي بإشادة واسعة النطاق على المستويين الوطني والدولي. كما أُثني على الدور المتقن الذي قامت به مختلف مؤسسات الدولة والسلطات العمومية في الحفاظ على الثروة الحيوانية والقيام بالإحصاءات الدقيقة لضمان وصول الدعم لمستحقيه. هذه الجهود المتكاملة، من الرصد اليومي وصولاً إلى المساعدة المالية، تعكس التزام المملكة بحماية مواطنيها وممتلكاتهم، والعمل على استئناف الحياة الطبيعية والدراسة في المناطق المتضررة في أقرب وقت.
إن تطور استراتيجية المغرب في إدارة الكوارث الطبيعية هو ليس مجرد رد فعل على أحداث معينة، بل هو جزء من رؤية أشمل للتعامل مع تحديات تغير المناخ وتأمين مستقبل مستدام للمواطنين. وتجسد هذه المقاربة الحديثة نموذجاً يحتذى به في المنطقة، مع التركيز على الاستباقية، والتنسيق عالي المستوى بين مختلف الفاعلين، والاستفادة القصوى من التكنولوجيا والبيانات.
لمتابعة آخر المستجدات والتحليلات حول السياسات العمومية والكوارث الطبيعية في المغرب، تفضل بزيارة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك