في خضم تصاعد التوترات شرق أوسطية، وبعد أيام قليلة من انطلاق حملة عسكرية أمريكية إسرائيلية ضد إيران، تتكشف العديد من التساؤلات حول أهداف الحرب على إيران وتداعياتها المحتملة. هذا الهجوم يثير مخاوف عميقة بشأن قدرته على احتواء الانعكاسات السياسية والاقتصادية الكارثية على المنطقة بأسرها، وعلى العالم الذي بات يتوجس من مخاطر غير متوقعة قد تزيد من حالة عدم الاستقرار التي يعيشها.
إن طبيعة هذه المواجهة تضع القانون الدولي على المحك، وتكشف عن تباين واضح بين المبادئ التي يُفترض أن تحكم سلوك الدول، وبين الواقع الجيوسياسي الذي يفضل قانون القوة على قوة القانون. فهل هذه الحرب مجرد محاولة لفرض هيمنة إقليمية، أم أنها تحمل في طياتها أهدافًا أعمق قد تغير ملامح الشرق الأوسط بأكمله؟
الأهداف المتضاربة للحرب على إيران والمنظور القانوني الدولي
من زاوية القانون الدولي، الذي يُعد المرجعية لتصرفات الدول، لا سيما تلك التي تتمتع بحق النقض (الفيتو)، فإن الهجوم الراهن على إيران يُشكل خرقًا صريحًا لميثاق الأمم المتحدة. هذا الميثاق يحظر اللجوء إلى القوة في العلاقات بين الدول، باستثناء حالتين محددتين: الأولى هي الدفاع الشرعي الذي يبرر فقط في حالة وجود تهديد وشيك، مع احترام مبدأ التماثلية، والثانية هي التدابير المتخذة من قبل مجلس الأمن لحفظ السلم والأمن الدولي بموجب الفصل السابع، والتي قد تتضمن استخدام القوة. للتعمق في هذا الموضوع يمكن زيارة صفحة ميثاق الأمم المتحدة على ويكيبيديا.
يبدو جليًا أن هذا الهجوم يفتقر إلى الشرعية القانونية، حيث لم تكن إيران في الظرفية الراهنة تمثل تهديدًا وشيكًا للولايات المتحدة. ومع ذلك، يفضل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وحليفه بنيامين نتنياهو، المتهم بجرائم حرب وإبادة في غزة، تطبيق مبدأ القوة. يسعى ترامب، بصفته “شرطي العالم”، ونتنياهو، بهدف إعادة تشكيل شرق أوسط تهيمن عليه المقاربة الصهيونية المتطرفة، إلى تحقيق أهداف لا تتسق مع المعايير الدولية.
مبررات الهجوم المعلنة وتفنيدها:
- درء الخطر الصاروخي الإيراني: ادعى ترامب أن الهجوم ضروري لمنع إيران من تطوير صواريخ باليستية عابرة للقارات تهدد الأمن الأمريكي. إلا أن غالبية المحللين الاستراتيجيين يشككون في هذا الادعاء، مؤكدين أن مدى الصواريخ الإيرانية الحالية لا يتجاوز 2500 كيلومتر، مما يجعلها غير قادرة على الوصول إلى الأراضي الأمريكية، وهي تهدف أساسًا للردع الإقليمي. كما أن امتلاك منظومة صواريخ للدفاع عن النفس لا يخالف أي اتفاقية دولية.
- تحييد الخطر النووي: زعم الهجوم أنه يهدف إلى منع إيران من امتلاك القنبلة النووية، وهو ما يتناقض مع تصريحات سابقة لترامب حول نجاحه في تدمير المفاعلات النووية الإيرانية. وتكشف الوساطة العمانية أن إيران كانت قد أبدت موافقتها على خفض نسبة تخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية، لكن يبدو أن نتنياهو نجح في نسف أي اتفاق محتمل.
- دعم الشعب الإيراني: حاول ترامب تبرير الهجوم كأداة لمساندة الشعب الإيراني المقموع، لكنه لم يف بوعوده، وترك المتظاهرين تحت رحمة القمع. تاريخ ترامب يظهر عدم اهتمامه بالديمقراطية وحقوق الإنسان، كما يتضح من مواقفه تجاه أوكرانيا وفنزويلا.
- فك الارتباط بوكلاء إيران: يتعلق المبرر الأخير بفك ارتباط إيران بوكلائها في المنطقة كحزب الله وحماس والحوثيين. ورغم أن الاستراتيجية الإيرانية اعتمدت على تسليح حركات الضغط، إلا أن الضربات الأخيرة أضعفتها بالفعل، وباتت إسرائيل نفسها تشكل تهديدًا أكبر للمنطقة بسبب تغولها وتطرف مسؤوليها.
تداعيات الحرب على إيران على المشهد الإقليمي والدولي
إن مآل هذه الحرب، التي تستهدف في عمقها إسقاط النظام الإيراني الذي يعتبره نتنياهو خطرًا وجوديًا على إسرائيل، يثير قلقًا بالغًا. يتساءل المراقبون عما إذا كانت الضربات الجوية كفيلة بإسقاط النظام، وحتى في حال تحقق ذلك، هل تملك الولايات المتحدة تصورًا واضحًا لإدارة مرحلة ما بعد الانهيار، تجنبًا لتكرار سيناريو العراق بعد سقوط نظام صدام حسين؟ فشل إدارة بوش الابن في تدبير ما بعد الحرب أدى إلى فوضى عارمة ما زالت المنطقة تعاني من تبعاتها.
حدود الضربات الجوية:
اعتمدت المقاربة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية حتى الآن على الغارات الجوية لتفكيك مؤسسات النظام الإيراني واغتيال رموزه. ورغم التفوق التكنولوجي والاختراق الاستخباراتي، فإن رد الفعل الإيراني أظهر قدرة على امتصاص الصدمات ومنع تفكك النظام بالكامل. على عكس ردوده السابقة المعتدلة، تبنى النظام الإيراني استراتيجية التصعيد بعد اغتيال مرشده الأعلى، موجهًا صواريخ ليس فقط نحو إسرائيل، بل أيضًا نحو دول خليجية وعربية تستضيف قواعد أمريكية. كما هدد بإغلاق مضيق هرمز، مما يطرح تساؤلات خطيرة حول ارتفاع أسعار المحروقات وتداعياتها على التجارة العالمية.
هذه الاستراتيجية الإيرانية، الرامية إلى جر دول أخرى إلى الحرب، لا تخلو من مخاطر، فقد تزيد من عزلة النظام وتضعف موقفه. الدول الإقليمية، لا سيما الخليجية، تدرك مخاطر هذا التصعيد وكانت تدعو إلى التهدئة، ورفضت استخدام أراضيها للهجوم على إيران. استمرار الهجمات قد يدفعها إلى الانحياز الكلي للموقف الأمريكي الإسرائيلي، مع إدراكها أن المظلة الأمريكية ليست حماية مطلقة. لمتابعة آخر التطورات الإقليمية والدولية، يمكنكم زيارة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
سيناريوهات التصعيد ومخاطر التدخل البري
إذا لم تنجح الضربات الجوية في تحقيق الأهداف المرجوة، قد يجد ترامب نفسه أمام خيار صعب يتمثل في التدخل البري لتغيير النظام واحتلال إيران، وهو ما قد يعيد سيناريو العراق الكارثي. السؤال الأساسي هنا هو مدى قبول “تحرير” شعب بالقنابل عبر تدخل أجنبي. حتى المعارضون الإيرانيون، باستثناء ابن الشاه المخلوع، لا يبدون ارتياحًا كبيرًا لهذا السيناريو.
إن ترامب ليس لديه مشروع ديمقراطي شامل، بل يسعى فقط لإسقاط النظام واستبداله بآخر يتخلى عن البرنامج النووي ويخضع للمخططات اليمينية الإسرائيلية. التجارب السابقة للتدخلات الأجنبية التي تمت بدافع تغيير الأنظمة، سواء تحت مظلة القانون الدولي (أفغانستان والعراق 1991، ليبيا) أو بدون سند قانوني (صربيا والعراق 2003)، باءت بالفشل وأدت إلى الفوضى. وهذا ما تخشاه الدول الخليجية من ارتدادات الصراعات الداخلية.
تزداد صعوبة الحالة الإيرانية بكونها دولة ذات وزن ديموغرافي كبير وفسيفساء عرقي متنوع، قد يفضي انهيار نظامها إلى صراعات وانفصالات يصعب التكهن بتبعاتها على المنطقة بأكملها. ورغم الطبيعة القمعية للنظام الإيراني، فإنه يحظى بنسبة من التأييد الشعبي وبنى مؤسسات ولاء على مدار خمسين عامًا، مما يجعل اقتلاعه بالتدخل العسكري مهمة شبه مستحيلة دون بديل قيادي ذي مصداقية شعبية، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام نظام أكثر تشددًا أو فوضى عارمة يستفيد منها اليمين المتطرف الإسرائيلي بالدرجة الأولى.
في الختام، من الصعب التنبؤ بمسار هذه المواجهة، أو مدتها الزمنية، أو انعكاساتها السياسية والاقتصادية على النظام الدولي. فبينما نعرف بداية الحرب، لا أحد يملك يقينًا حول نهايتها، خاصة في ظل رئاسة ترامب التي تتسم بالتقلب والمزاجية. إن سعيه لتحقيق نصر سريع قد يدفعه نحو تصعيد غير محسوب، ويجعل العالم يترقب عواقب وخيمة لمثل هذه المغامرات.
التعليقات (0)
اترك تعليقك