عاجل

تفعيل اللغة العربية في الإدارة العمومية المغربية: جدل الهوية والتواصل في زمن الأزمات

تفعيل اللغة العربية في الإدارة العمومية المغربية: جدل الهوية والتواصل في زمن الأزمات

شهد المشهد العام المغربي مؤخرًا تجددًا للجدل حول مكانة اللغة العربية في المراسلات الرسمية للإدارات العمومية، وذلك عقب ملاحظة استمرار بعض وكالات الأحواض المائية في استخدام اللغة الفرنسية خلال تعاملها مع أزمة الفيضانات الأخيرة. هذه الممارسة، التي تتناقض مع التوجيهات الوزارية الصريحة بضرورة تفعيل اللغة العربية في الإدارة العمومية المغربية، تثير تساؤلات عميقة حول مدى الالتزام بالهوية اللغوية الوطنية وتحديات تطبيق المقتضيات الدستورية.

الأسس الدستورية وموقع اللغة الرسمية

يؤكد الدستور المغربي صراحةً على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة، إلى جانب الأمازيغية. هذا النص الدستوري لا يمثل مجرد إشارة رمزية، بل هو تكريس لمبدأ السيادة اللغوية ومرتكز أساسي للهوية الوطنية. ووفقًا لخبراء القانون الدستوري، فإن أي مراسلة إدارية تصدر بلغة أجنبية دون الالتزام بهذا المقتضى، تشكل خرقًا صريحًا للوثيقة الدستورية، وتضعف من مكانة اللغة العربية والأمازيغية كلغتين رسميتين للبلاد.

لقد دأبت الدولة على حماية وتطوير اللغة العربية وتنمية استعمالها في شتى مجالات الحياة العامة، بما في ذلك التعليم والإدارة. ومع ذلك، يظل تطبيق هذا المبدأ في بعض المؤسسات العمومية يواجه عقبات متعددة، مما يثير الانطباع بأن هناك فجوة بين النص القانوني والواقع الممارس على الأرض. هذا التحدي لا يقتصر على المراسلات الداخلية فحسب، بل يمتد ليشمل التواصل مع المواطنين، الذين يجدون أنفسهم في بعض الأحيان أمام بلاغات وتقارير بلغة لا يفهمونها بالكامل.

تحديات تفعيل اللغة العربية في الإدارة العمومية المغربية

تُعزى هيمنة اللغة الفرنسية في بعض الأوساط الإدارية إلى مجموعة من العوامل المتشابكة، أبرزها:

  • التكوين المهني: يعتمد تكوين العديد من الأطر العليا والمهندسين في المغرب على اللغة الفرنسية بشكل أساسي، مما يجعلهم أكثر راحة في استخدامها في سياقاتهم المهنية والتقنية.
  • العقلية الإدارية: قد يرى بعض المسؤولين أن استخدام الفرنسية يرمز إلى التميز أو المكانة الاجتماعية، وهي عقلية متجذرة تعود إلى فترة الحماية وتأثيراتها الثقافية.
  • غياب الأطر المتخصصة: تعاني بعض المصالح العمومية من نقص في الأطر المتخصصة في الترجمة أو الصياغة باللغتين الرسميتين، مما يدفع المسؤولين إلى اللجوء للفرنسية، خاصة عند التعامل مع محتوى تقني أو الحاجة للتواصل الدولي.
  • التعامل مع الأزمات: في حالات الطوارئ مثل الفيضانات، قد يميل البعض إلى استخدام اللغة التي يعتبرونها الأسرع والأكثر فعالية للتواصل الفني بين المتخصصين، متجاهلين البعد العام للمراسلات.

هذه التحديات لا تلغي ضرورة الالتزام الدستوري، بل تستدعي إيجاد حلول هيكلية لتعزيز قدرة الإدارة على التواصل باللغتين الرسميتين بفعالية وكفاءة.

تداعيات المراسلات غير العربية على التواصل العام والثقة المؤسساتية

إن إصرار بعض الإدارات على استخدام اللغة الفرنسية في مراسلاتها وبلاغاتها الرسمية، خاصة في سياق الأزمات التي تتطلب وضوحًا ونجاعة في التواصل مع مختلف المتدخلين وعموم المواطنين، يحمل في طياته تداعيات سلبية متعددة:

  • المساس بالثقة العامة: عندما يتلقى المواطن المغربي مراسلة رسمية بلغة غير لغته الأم أو لغته الرسمية، قد يشعر بالتهميش وعدم الاكتراث، مما يقلل من ثقته في المؤسسات العمومية.
  • عرقلة التواصل الفعال: يفقد التواصل جزءًا كبيرًا من فعاليته إذا لم يفهمه الجمهور المستهدف. في أوقات الأزمات، قد يؤدي عدم الوضوح اللغوي إلى سوء فهم التعليمات أو البطء في الاستجابة.
  • تأصيل الإحساس بالتبعية الثقافية: يرى الكثيرون أن استمرار هيمنة اللغة الفرنسية في الفضاء العمومي الإداري هو امتداد للاستعمار الثقافي، ويشكل مساسًا بالسيادة اللغوية للبلاد، حتى بعد مرور عقود على الاستقلال.
  • ضعف تجسيد الهوية الوطنية: اللغة هي وعاء الثقافة والهوية. وإهمال اللغات الرسمية في المراسلات الإدارية يضعف من دور الإدارة كمؤسسة تعكس وتكرس الهوية الوطنية.

مسارات نحو تعزيز السيادة اللغوية في الإدارة المغربية

لتحقيق تفعيل اللغة العربية في الإدارة العمومية المغربية بشكل كامل ومستدام، يتطلب الأمر مقاربة شاملة ومتعددة الأبعاد:

  1. مراجعة مناهج التكوين: يجب إدماج اللغة العربية والأمازيغية بشكل مكثف في برامج تكوين الأطر الإدارية والتقنية العليا، وتوفير وحدات متخصصة في الصياغة الإدارية والقانونية بهاتين اللغتين.
  2. توفير الدعم اللغوي: ينبغي للإدارات العمومية توظيف مترجمين ومحررين أكفاء متخصصين في اللغتين الرسميتين، وتوفير أدوات وموارد لغوية (مثل معاجم المصطلحات المتخصصة) لضمان جودة المراسلات.
  3. تفعيل دور المؤسسات الرقابية: يمكن للمحكمة الدستورية والمحاكم الإدارية والمجلس الوطني للغات والثقافة المغربية أن تلعب دورًا محوريًا في إلزام الإدارات بتطبيق المقتضيات الدستورية المتعلقة باللغات الرسمية، من خلال إصدار التنبيهات أو حتى إبطال المراسلات المخالفة.
  4. تغيير العقليات: يتطلب الأمر حملات توعية داخل الإدارة لترسيخ الاعتزاز باللغات الوطنية، وبيان أهميتها في تعزيز التواصل الفعال والقرب من المواطنين.
  5. الرقمنة الموجهة: عند رقمنة الخدمات الإدارية، يجب الحرص على أن تكون المنصات والوثائق الرقمية متاحة بشكل كامل باللغتين العربية والأمازيغية.

إن الاعتزاز باللغتين الرسميتين للبلاد ليس مجرد خيار، بل هو ضرورة مؤسساتية تسهم في وضوح الرسائل الموجهة إلى المواطنين، وتعزز منسوب الثقة في المؤسسات العمومية وتكرس مبدأ القرب والتواصل الفعال مع الرأي العام. كما أن الانفتاح على لغات أخرى كالفرنسية أو الإنجليزية، يجب أن يتم في سياقات محددة تفرضها طبيعة الجمهور المستهدف أو الضرورة الدولية، دون أن يطغى ذلك على اللغات الرسمية أو يمس بمكانتها. إن المستقبل اللغوي للإدارة المغربية يكمن في التوازن بين الالتزام الدستوري بالهوية اللغوية والانفتاح المدروس على العالم.

لمزيد من التحليلات المعمقة حول قضايا الإدارة والتواصل في المغرب، يمكنكم زيارة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.

التعليقات (0)

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.