مع اقتراب اليوم العالمي لحقوق النساء، الذي يُحتفى به دولياً في الثامن من مارس، ارتفعت أصوات نسائية مغربية مطالبةً بوضع حد لما وصفته بـ “زمن الانتظار” في مسيرة تحقيق المساواة والعدالة. بيّنت بيانات صادرة عن جمعيات نسائية رائدة، كالجمعية الديمقراطية لنساء المغرب (ADFM) وفيدرالية رابطة حقوق النساء (FLDF)، قلقاً عميقاً إزاء الفجوة المتسعة بين الشعارات البراقة والواقع المعاش للمرأة المغربية. هذه المطالبات لا تقتصر على الدعوة إلى مراجعات سطحية، بل تدعو إلى إصلاح شامل للمنظومة التشريعية والمؤسساتية بهدف تفعيل المساءلة القانونية لحقوق النساء بالمغرب وضمان حقوقهن الأساسية.
تُشكل هذه النداءات دعوةً صريحةً إلى التغيير الجذري، مبرزةً ضرورة الانتقال من مرحلة الوعود إلى مرحلة الإنجازات الملموسة. فالحركة النسائية المغربية، بوعيها العميق بالتحديات، ترى أن السلام الاجتماعي والتنمية الشاملة للمغرب لا يمكن أن يرسخا دعائمها إلا بضمان الاحترام الكامل لحقوق النساء، وأن المساواة الفعلية لم تعد تقبل أي تأجيل.
إصلاحات تشريعية ومؤسساتية: ركيزة تفعيل المساءلة القانونية لحقوق النساء بالمغرب
تُركز الجمعيات النسائية على حزمة من الإصلاحات التشريعية والمؤسساتية التي تعتبرها ضرورية لتحقيق العدالة للمرأة. من أبرز هذه المطالب:
- المراجعة الشاملة لمدونة الأسرة: تُطالب الجمعيات بتنزيل مراجعة عميقة وشاملة لمدونة الأسرة، بما يضمن انسجامها التام مع مقتضيات الدستور المغربي والتزامات المملكة الدولية في مجال حقوق الإنسان، وذلك بهدف القضاء على كل أشكال الحيف والتمييز التي قد تتضمنها النصوص الحالية.
- إخراج قانون إطار للمساواة: تُشدد على ضرورة وضع قانون إطار للمساواة يتضمن آليات مؤسساتية لمراجعة جميع القوانين لضمان توافقها مع المبادئ الدستورية.
- قانون خاص بتعريف التمييز: دعوات لإصدار قانون خاص يُعرّف التمييز بكل أشكاله، يتضمن جوانب حمائية وجزائية، ويوفر آليات لإعادة تأهيل الضحايا.
- مراجعة قانون هيئة المناصفة: للمناسبة الأممية، تصدّر مطلب مراجعة قانون هيئة المناصفة ومحاربة كل أشكال التمييز، بهدف ضمان استقلاليتها وفعاليتها المنشودة في تحقيق أهدافها.
السياسات العمومية والعدالة: بين الشعارات والواقع
لا تتوقف المطالب عند الجانب التشريعي، بل تمتد لتشمل مراجعة جذرية للسياسات العمومية وتفعيل آليات العدالة الجنائية. وتطالب الهيئتان النسائيتان بـ “إستراتيجية وطنية للمساواة” تُطوّر بشكل مشترك بين القطاعات، وتستند إلى المرجعية الأممية مع مقاربة تشاركية فعلية تضمن إدماج جميع الفاعلين.
في مجال العدالة الجنائية، تدعو الجمعيات إلى “تجويد المنظومة الجنائية” لتعزيز حماية النساء ضحايا العنف، وتفعيل آليات المحاسبة الدولية للحد من ظاهرة الإفلات من العقاب. كما تُطالب بتفعيل مبدأ المناصفة في الولايات والوظائف الانتخابية، ومكافحة العنف السياسي الموجه ضد النساء، الذي يُشكل عائقاً أمام مشاركتهن الفاعلة. ولم يغب عن المطالبات ضرورة “مناهضة خطاب التحريض”، مع دعوة جميع الفاعلين إلى تبني خطاب يحترم كرامة النساء وينبذ ثقافة التمييز والخطابات التي تستغل الهويات الثقافية لإعاقة المسار الحقوقي.
حقوق النساء في مهب النزاعات وتراجع القانون الدولي
أجمعت الهيئات على أن الاحتفال بذكرى 8 مارس هذا العام يأتي في ظل وضع عالمي مضطرب، يتسم بالحروب والدمار وتراجع قيم الديمقراطية. وقد استحضرت فيدرالية رابطة حقوق النساء قلقاً بالغاً إزاء تآكل آليات إنفاذ القانون الدولي وتراجع فعالية المنظومة الحقوقية العالمية. كما لم تغب انتهاكات حقوق النساء في مناطق النزاع، مثل السودان والكونغو والشرق الأوسط، حيث يُستهدف المدنيون والمنشآت الحيوية، مما يُسلط الضوء على عدم الالتزام بمقتضيات القانون الدولي الإنساني. وتُشير التقارير الدولية، التي استعرضتها الجمعيات، إلى فجوة قانونية عالمية، حيث لا تتمتع النساء عالمياً سوى بنسبة 64 في المائة من الحقوق القانونية المتاحة للرجال، وهو ما يُعزز دعوات “لجنة وضع المرأة” لتعزيز الولوج إلى العدالة وإزالة الحواجز الهيكلية.
بين شعار “الدولة الاجتماعية” وهزالة النتائج
وجهت الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب انتقادات لاذعة للحكومة الحالية، معتبرة أن شعار “الدولة الاجتماعية”، الذي رُفع خلال ولايتها، لم ترافقه تدابير ملموسة لتمكين النساء. وسجلت الجمعية “هزالة في الأرقام المرتبطة بالخدمات المباشرة للنساء”، مؤكدة أن الأوراش الإصلاحية لم تضع حقوق النساء في صلب أهدافها رؤية وتخطيطاً. كما انتقدت تبني تقرير النموذج التنموي دون التخلص مما وصفته بـ “التصور الذكوري المنغرس في العلاقات بين الجنسين”. من جانبها، أعربت فيدرالية رابطة حقوق النساء عن رفضها تحويل الأزمات المفتعلة إلى ذريعة لاستهداف المكتسبات النسائية أو جعل أجساد النساء ساحة للصراعات الجيوسياسية.
ثغرات قانونية وأوراش متعثرة: الحاجة الملحة إلى التغيير
رصدت الهيئات النسائية، عبر بياناتها التفصيلية، “ثغرات قانونية عميقة” في المنظومة التشريعية الوطنية بالمغرب. فقد أشارت إلى أن قانون المسطرة الجنائية ما زال يفتقر إلى الضمانات الحمائية الكافية للضحايا، وأن قانون محاربة العنف 103.13 لا يعكس مفهوم “العناية الواجبة” المتفق عليه دولياً، مع تغييب مقاربة النوع في قانون الشغل والنظام الأساسي للوظيفة العمومية. أما في قانون التعليم المدرسي، فاعتبر المصدران أنه مفتقر لبعد النوع الاجتماعي ولا ينص صراحة على محاربة الصور النمطية أو حماية الفتيات من العنف المدرسي. ولم تغفل الهيئتان الحديث عن نصوص القانون الجنائي ومدونة الأسرة، مشخصتين أن هناك تعثراً في مراجعة القانون الجنائي منذ عقد، بينما يظل السؤال المركزي حول غاية الإصلاح في مدونة الأسرة عالقاً.
وفي الختام، تُؤكد الحركة النسائية المغربية، ممثلة في الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب وفيدرالية رابطة حقوق النساء، أن السلم الاجتماعي والتنمية الشاملة والإشعاع الدولي للمغرب لا يمكن أن يستقيم إلا بالاحترام الكامل للحقوق الأساسية للنساء. فالمساواة الفعلية لم تعد تقبل التأجيل، وعلى البرلمان والحكومة البرهنة على أن حقوق النساء لن تظل رهينة “قاعة الانتظار” إلى الأبد. للمزيد من التحليلات المعمقة والأخبار الحصرية، تابعوا الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك