في خطوة تعكس التزام المملكة المغربية الراسخ بقضايا حقوق الإنسان والمساواة، احتضنت الرباط ندوة وطنية محورية بمناسبة تخليد اليوم الدولي لحقوق المرأة. هذه الندوة، التي نظمتها وزارة العدل بشراكة استراتيجية مع مجلس أوروبا في إطار برنامج “MA-JUST: نحو عدالة أكثر حماية وولوجاً وفعالية بالمغرب”، حملت عنواناً مهماً: “ولوج النساء إلى العدالة: المكتسبات والتحديات والآفاق”. وقد جمعت هذه المنصة المرموقة نخبة من المسؤولين الحكوميين والقضائيين، خبراء وأكاديميين، وممثلين عن المجتمع المدني، لمناقشة سبل تعزيز ولوج النساء إلى العدالة في المغرب، وتقييم ما تم إنجازه، واستشراف آفاق المستقبل.
أبعاد نقاش تعزيز ولوج النساء إلى العدالة في المغرب
شكلت الندوة مناسبة فريدة لتبادل الرؤى وتعميق النقاش حول المحاور الأساسية المتعلقة بتمكين المرأة من حقوقها القانونية والقضائية. أكد وزير العدل، السيد عبد اللطيف وهبي، في كلمته الافتتاحية، أن تخليد اليوم الدولي لحقوق المرأة يتجاوز كونه مجرد احتفال رمزي ليصبح محطة أساسية للتفكير العميق في المسار الذي قطعته المملكة نحو إرساء العدالة والمساواة. وشدد الوزير على أن الدفاع عن حقوق النساء هو “معركة يومية من أجل الكرامة والعدالة والمساواة”، مشيراً إلى أن أي حديث عن عدالة حقيقية أو مجتمع ديمقراطي حديث لا يمكن أن يكتمل دون ضمان قدرة النساء على الولوج الفعال والحر للعدالة، ودون توفير منظومة قانونية حصينة تحميهن من كافة أشكال العنف والتمييز.
النقاشات الموسعة خلال الندوة لم تقتصر على سرد المنجزات فحسب، بل تعمقت في استعراض التحديات الراهنة واستكشاف الحلول المبتكرة لضمان عدالة شاملة ومنصفة لكل أفراد المجتمع، مع التركيز الخاص على الفئات الهشة والنساء والأطفال. وقد أثمرت هذه الحوارات عن توصيات ومقترحات هادفة تسهم في بلورة سياسات عمومية أكثر فعالية وتأثيراً.
إصلاحات تشريعية ومؤسساتية رائدة
أوضح وزير العدل أن المغرب أحرز تقدماً لافتاً في العقود الأخيرة في مجال تعزيز حقوق النساء، بفضل رؤية إصلاحية شاملة يقودها جلالة الملك محمد السادس نصره الله. هذه الرؤية ترتكز على تحديث المنظومة القانونية لمواكبة التحولات الاجتماعية وتعزيز حماية الحقوق والحريات. من أبرز هذه المكتسبات:
- مدونة الأسرة لسنة 2004: التي مثلت نقلة نوعية في تكريس حقوق النساء وتعزيز مكانتهن داخل الأسرة والمجتمع.
- دستور 2011: الذي رسخ مبادئ المساواة وعدم التمييز وعزز التزام المملكة بالاتفاقيات الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان.
كما تم تسليط الضوء على الإصلاحات التشريعية الجارية، ومن أهمها مشروع إصلاح مدونة الأسرة، الذي يتم وفق مقاربة تشاركية واسعة تضمن إشراك مختلف المؤسسات والهيئات الحقوقية والمدنية. يهدف هذا الإصلاح إلى تعزيز حماية حقوق النساء والأطفال وترسيخ العدالة الأسرية.
إلى جانب ذلك، أبرز الوزير أهمية المستجدات التي تتضمنها القوانين الإجرائية الجديدة، مثل قانون المسطرة الجنائية وقانون المسطرة المدنية. هذه القوانين تهدف إلى:
- تعزيز مبادئ المحاكمة العادلة.
- تقوية آليات حماية الضحايا، لا سيما النساء ضحايا العنف.
- تطوير آليات التكفل والحماية داخل المحاكم.
- تعزيز دور خلايا التكفل بالنساء والأطفال.
- تقوية التدابير المتعلقة بمكافحة العنف والاعتداءات الجنسية والاتجار بالبشر.
مأسسة مقاربة النوع الاجتماعي وتدريب المهنيين
تلتزم وزارة العدل بترسيخ مأسسة مقاربة النوع الاجتماعي ضمن منظومة العدالة. في هذا الصدد، تعمل الوزارة على تطوير آليات مؤسساتية داعمة، أبرزها مرصد العدالة المستجيبة للنوع الاجتماعي. يهدف هذا المرصد إلى تتبع وتقييم السياسات العمومية ذات الصلة، وتحسين ولوج النساء والأطفال والفئات الهشة إلى العدالة، فضلاً عن دعم عمل خلايا التكفل بالنساء ضحايا العنف بالمحاكم.
وفي إطار تعزيز القدرات المهنية، شهدت الندوة إطلاق الدورة التكوينية لبرنامج HELP، الذي يركز على موضوع “مقاربة النوع الاجتماعي وولوج النساء إلى العدالة”. هذا البرنامج التدريبي في مجال حقوق الإنسان يستهدف مهنيي القانون، بهدف تمكينهم من إدماج مقاربة النوع الاجتماعي في ممارستهم القانونية والقضائية اليومية، ما يساهم في إرساء عدالة أكثر إنصافاً وشمولاً. تأكيداً على هذا التوجه، دعت الندوة إلى تعزيز الشراكة مع المجتمع المدني، باعتباره فاعلاً حيوياً في الدفاع عن حقوق النساء ومواكبة السياسات العمومية الرامية إلى تحقيق المساواة.
بهذا التجمع الوطني الهام، يؤكد المغرب مرة أخرى التزامه الثابت بتعزيز حقوق النساء وضمان ولوجهن الكامل والفعال للعدالة، كركيزة أساسية لبناء مجتمع ديمقراطي حديث وعادل. يمكنكم متابعة المزيد من التغطيات والتحليلات عبر الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك