يشهد المغرب في الآونة الأخيرة حراكًا مائيًا معقدًا، يترجمه الواقع المزدوج لتأمين الموارد المائية. فبينما تسجل بعض المناطق تحسنًا ملحوظًا في مخزوناتها، لا تزال أخرى ترزح تحت وطأة نقص حاد، مما يبرز حجم تحديات الأمن المائي بالمغرب التي تواجهها المملكة. تشير البيانات الرسمية، المستقاة من رصد حقينات السدود، إلى دينامية محفوفة بالحذر، حيث تظهر الأرقام تحسنًا طفيفًا على المستوى الوطني، لكنها تخفي تباينات عميقة بين الأحواض.
لقد ارتفعت نسبة الملء الإجمالية للسدود الوطنية لتتجاوز 31 في المائة بقليل، بمخزون مائي كلي يناهز 5.21 مليار متر مكعب. هذا الرقم، وإن كان يعكس زيادة مقارنة بالعام الماضي، إلا أن التحليل التفصيلي يكشف عن صورة متباينة للغاية، فبعض الأحواض المائية تستفيد بشكل كبير من المشاريع الهيكلية، في حين تعاني أحواض أخرى من عجز بنيوي يهدد استقرارها المائي.
الأمن المائي للمدن الكبرى: إنجازات البنية التحتية
بفضل المشاريع الاستراتيجية والربط المائي بين الأحواض، حقق المغرب خطوة نوعية في تأمين الماء الصالح للشرب للمدن الكبرى والمحاور الساحلية ذات الكثافة السكانية العالية. يعتبر حوض أبي رقراق خير مثال على هذا النجاح، حيث شهد قفزة نوعية في نسبة الملء، متجاوزًا 64% حاليًا بعد أن كان في حدود 35% العام الماضي. هذا الانتعاش البارز يعزى بشكل أساسي إلى امتلاء سد سيدي محمد بن عبد الله، المزود الرئيسي لمحور الرباط-الدار البيضاء، بنسبة قاربت 69%.
ويعود الفضل في هذا التحسن الملموس إلى تفعيل مشروع “الطريق السيار للماء” القادم من حوض سبو، والذي أبعد شبح العطش عن أكبر التجمعات السكانية في المملكة. كما حافظ حوض سبو بدوره على استقرار ملحوظ، بنسبة تتجاوز 40%، مدعومًا بمخزون سد الوحدة الذي استقر عند مستوى 41.85%، وهو أحد أكبر سدود القارة. هذه الإنجازات تؤكد أهمية الاستثمار في البنية التحتية المائية لضمان الأمن المائي على المدى القريب، خاصة للمناطق الحضرية.
تحديات الأمن المائي بالمغرب: نزيف الأحواض الفلاحية
على النقيض من الصورة المشرقة للمدن، لا تزال الأحواض الموجهة للأغراض الفلاحية تواجه وضعًا مائيًا حرجًا ومقلقًا. فبالرغم من التساقطات المطرية والثلجية الأخيرة التي سجلت تحسنًا طفيفًا جدًا، يظل حوض أم الربيع في وضعية “المنكوب مائيًا”، بنسبة ملء لا تتجاوز 8.71%. ويُعد سد المسيرة، شريان الفلاحة في منطقة دكالة، مثالًا صارخًا على هذا الوضع، حيث بلغت نسبة الملء فيه أدنى مستوياتها، مقتربة من 2.96%، مما يفرض تحديات هائلة على الموسم الفلاحي ومستقبل المنطقة.
كما شهد حوض ملوية، في الجهة الشرقية، تراجعًا لافتًا، حيث انخفضت نسبة الملء من حوالي 44% العام الماضي إلى 26.79% حاليًا، ما يستدعي تدخلات عاجلة وتفعيل تدابير يقظة للحفاظ على المكتسبات المائية في هذه المنطقة الحدودية وشبه الجافة. وفي الجنوب الشرقي، تراجعت نسبة ملء حوض زيز كير غريس إلى 46.98%، وهو تراجع طبيعي بعد موسم استثنائي شهد أمطارًا “طوفانية” العام الماضي، مما يعكس استهلاك المخزون المائي الكبير الذي خلفته تلك الفيضانات. هذه الأرقام تؤكد أن المناطق الفلاحية لا تزال الأكثر عرضة لخطر النقص المائي، مما يهدد الأمن الغذائي للمملكة.
استراتيجيات الصمود: دعوة لترشيد الاستهلاك وإدارة متكاملة
في ظل هذا التباين، أصبح من الضروري اعتماد استراتيجيات متكاملة ومستدامة لمواجهة تحديات الأمن المائي بالمغرب. فمع تأمين الماء الشروب للمدن الكبرى مرحليًا بفضل البنية التحتية، يظل الخطر قائمًا وبشدة في المناطق الفلاحية. هذا الوضع يفرض استمرار سياسة “التقشف المائي” وترشيد استعمال مياه السقي، ليس فقط على المزارعين، بل على جميع المواطنين، لضمان استدامة الموارد المتاحة.
يجب أن تتضمن الحلول المستقبلية تطوير تقنيات الري الحديثة، والاستثمار في تحلية مياه البحر للمناطق الساحلية، وإعادة استخدام المياه العادمة المعالجة، إلى جانب حملات توعية مكثفة بأهمية المحافظة على هذه الثروة الحيوية. إن إدارة الموارد المائية تتطلب رؤية بعيدة المدى، لا تقتصر على الحلول التقنية فحسب، بل تمتد لتشمل التخطيط العمراني، وتنمية الوعي المجتمعي، والبحث العلمي لتطوير حلول مبتكرة وفعالة. إن بناء مستقبل مائي آمن للمغرب يتطلب تضافر جهود الجميع، من مؤسسات الدولة إلى المواطن العادي، لمواجهة هذا التحدي المصيري.
للاطلاع على المزيد من التحليلات والأخبار المتعلقة بالوضع المائي في المغرب، يمكنكم زيارة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك