أطلقت المديرية المالية التابعة لوزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات مشروعًا تجريبيًا يهدف إلى رقمنة عمليات الدفع في خمسين تعاونية فلاحية، في خطوة نحو تقليص الاعتماد على النقد في المناطق القروية.
يأتي هذا المشروع ضمن جهود الوزارة لتعزيز الشمول المالي في الوسط القروي، وتحديث آليات المعاملات التجارية في القطاع الفلاحي، مع التركيز على تسهيل وصول الفلاحين والتعاونيات إلى الخدمات البنكية الرقمية.
بحسب المعطيات المتاحة، سيشمل المشروع التجريبي خمسين تعاونية فلاحية موزعة على عدة جهات من المملكة، تم اختيارها وفق معايير محددة تشمل حجم النشاط، وقابلية البنية التحتية للربط الرقمي، واستعداد الفاعلين المحليين لتبني التكنولوجيا الجديدة.
من المنتظر أن يتم تزويد هذه التعاونيات بأجهزة دفع إلكترونية محمولة، بالإضافة إلى تطبيقات هاتفية تمكن من إجراء التحويلات المالية وسداد المستحقات دون الحاجة إلى النقد الورقي، مما يقلص مخاطر السرقة والأخطاء المحاسبية.
تتضمن المرحلة الأولى تدريب أطر التعاونيات على استخدام الأنظمة الرقمية، وتوفير الدعم الفني المستمر لضمان نجاح التحول من التعاملات النقدية التقليدية إلى المعاملات الإلكترونية.
يهدف المشروع أيضًا إلى ربط التعاونيات بشكل مباشر بسلاسل القيمة الزراعية، عبر تيسير عمليات الشراء والبيع والتسوية المالية بين المزارعين والموزعين والتجار، مما يعزز شفافية المعاملات ويساهم في تحسين دخل الفلاحين الصغار.
تشير التقديرات غير الرسمية إلى أن أكثر من 80% من المعاملات في المناطق القروية بالمغرب لا تزال تتم نقدًا، مما يحد من فرص الحصول على القروض البنكية والتأمين الزراعي، ويصعب عملية تتبع التدفقات المالية وضبط الأسواق.
لذلك، يُنظر إلى هذا المشروع التجريبي كأداة لإدماج الاقتصاد القروي غير المهيكل في النظام المالي الرسمي، بما يساهم في تحقيق أهداف استراتيجية الجيل الأخضر 2020-2030 الرامية إلى تحويل 100 ألف تعاونية فلاحية إلى نماذج اقتصادية مستدامة.
يتوقع أن تنتهي المرحلة التجريبية بحلول نهاية عام 2026، على أن يتم تقييم النتائج قبل تعميم التجربة على باقي التعاونيات الفلاحية في المملكة، بناءً على مؤشرات نجاح تشمل عدد المعاملات الرقمية، ومستوى رضا المستخدمين، ونسبة تقليص استخدام النقد.
في هذا السياق، تسعى الوزارة إلى التعاون مع مؤسسات بنكية ومزودي خدمات الدفع الإلكتروني لتوسيع شبكة نقاط القبول الرقمي، وتقديم حوافز تشجيعية للتعاونيات التي تنتقل إلى النظام الجديد، مثل تخفيض الرسوم على التحويلات أو تسهيل الحصول على التمويل.
تأتي هذه المبادرة ضمن مسار أوسع لرقمنة الاقتصاد المغربي، حيث أطلقت الحكومة عدة برامج وطنية للتحول الرقمي تشمل قطاعات الصحة والتعليم والإدارة، مع إعطاء أولوية للعالم القروي الذي يعاني من فجوة رقمية مقارنة بالمدن.
من المتوقع أن تشهد الأشهر المقبلة إطلاق حملات تحسيسية وتوعوية لفائدة الفلاحين وأعضاء التعاونيات حول فوائد الدفع الرقمي، وكيفية استخدام التطبيقات والأجهزة الجديدة بكل أمان وفعالية.
كما ستعمل الوزارة على توفير خط ساخن للدعم التقني، ومراكز مساعدة ميدانية في مناطق تواجد التعاونيات المستهدفة، لضمان تذليل أي عقبات تقنية أو إدارية قد تعترض عملية التحول الرقمي.
يراهن المسؤولون عن المشروع على أن نجاح هذه التجربة سيمهد الطريق للانتقال إلى مرحلة أكثر طموحًا تشمل رقمنة جميع التعاونيات الفلاحية بالمغرب، وتحويل المعاملات النقدية في الأسواق القروية والأسبوعية إلى نظام إلكتروني شامل.
على المستوى الميداني، يعبر عدد من رؤساء التعاونيات المشمولة بالتجربة عن تفاؤلهم الحذر، في انتظار رؤية النتائج على أرض الواقع، مع الإشارة إلى أن التحدي الأكبر يظل في مدى قدرة الأنظمة الرقمية على العمل في مناطق ضعيفة التغطية بالإنترنت أو تفتقر للكهرباء المستمرة.
مع ذلك، تبقى المبادرة خطوة أولى نحو تحقيق رؤية أوسع لتحديث الاقتصاد القروي، وجعله أكثر قدرة على الاندماج في الاقتصاد الرقمي الوطني والعالمي.
التعليقات (0)
اترك تعليقك